إعداد : علي فقندش

«الأماكن» صفحة أسبوعية جديدة نلتقي من خلالها واياك عزيزي القارىء نتابع من خلالها سيرة وتأريخ واحد من الأماكن المهمة ذات العلاقة بحدث ثقافي وفني أو اجتماعي كبير تأثير على الحالة العامة للمجتمعات العربية أو المجتمع المحلي كأن نتحدث عن موقع ذي دلالة تاريخية او مكان كان انطلاقا لعبقرية ما .. في مجالات الابداع المختلفة، ومثل هذه المواقع .. او دعونا نقول «الاماكن» مليئة بها بلادنا الا ان العين في الغالب تمرها مرار الكرام دون ان تختزنها الذاكرة أو يسعد بها الوجدان، نحاول من خلال هذه الصفحة ان نلقي الضوء تاريخيا على حياتنا ومجتمعنا من خلال حدث ومكان ما.. الى جانب ما نفعله خارج المملكة سياحيا حيث نجد ان كلا منا يعرف مواقع الدنيا سياحيا وثقافيا بينما لا يهتم احدنا بما هو بين يدينا.



كثيرون من أبناء الطبقات الوسطى «ولو أن نسبتهم كانت قليلة» وأبناء الطبقة الثرية في النصف الأول من القرن العشرين ومطلع النصف الثاني منه إلى منتصف السبعينيات في منطقة مكة المكرمة والحجاز بشكل عام كانوا على علاقة وطيدة بالسينما وتاريخها وتعاملوا معها عن حب وبحب. هذا ما دعانا لتقليب الأوراق القديمة وكان أولها قافزا إلى الذاكرة ذلك المربع الشهير الذي يحوي الكثير من «أحواش» العروض السينمائية في البغدادية الشرقية والمسماة منطقتها «حارة الجماجمة» لتملك آل الجمجوم «بفروع العائلة المختلفة .. جماجمة السينما والإنتاج الفني، وجماجمة تجارة الأدوية معظم مساحات تلك المنطقة إلى جانب الكثير من الأحواش المتفرقة في مدينة جدة في أحياء متعددة سنعرض لذكرها لاحقا من خلال هذا التحقيق فهي التي شهدت نشاطا غير محدود للأحواش التي كانت منهل ثقافة سينمائية كبيرة لأهالي جدة من البسطاء ومعظم الطبقات ماعدا الطبقات الثرية التي كانت تستأجر الأفلام مع استئجار آلات العرض للعروض المنزلية في الكثير من مدن المنطقة، فإلى جانب أثرياء جدة كان وجهاء مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف أكثر عملاء و «زبائن» تجار تلك المهنة التي لم تتحدد في تلك الأيام مشروعيتها من عدم المشروعية إذ كانت رغم رواجها كالابن غير الشرعي للمهن في المنطقة. ساعد على ثباتها وصمودها طويلا أن كبار العائلات وبعض أعلام الحجاز هم من انتهج هذا النهج ولعل الأشهر آل الجمجوم و آل باديب وأسماء كثيرة وعديدة خاضت مع الخائضين في غمار المهنة. تربينا صغارا على متابعة الأفلام السينمائية أولا بأول من خلال هذه الأحواش الخاصة بالعروض وهي التي كانت تقريبا المنهل الحقيقي وربما الوحيد لتثقيفنا سينمائيا.. وكذلك كان للتلفزيون السعودي أيامها جهد بارز وجذاب وبناء بقناتيه الأولى ثم الثانية حيث أفضل كثيرا وأجاد في تقديم المفيد ثقافة وتسلية كالبرامج النافعة ومسرح التلفزيون والتمثيليات المحلية الناجحة وغير ذلك الكثير... وقدم أشهر المسلسلات الغربية المفضلة للفرد والعائلة مثل «أبطال بونانزا ، أرض العمالقة ، سكيس مليون دولار مان ، كولومبو ، لاسي ، دكتور هو ، فيوري ، والكثير الكثير من الأعمال الراسخة في ذاكرة المشاهد السعودي.، حتى في عرضه للأفلام السينمائية العالمية كنا نرى وبشكل أشبه بمتابعة الجديد في العالم. كان التلفزيون يعرض لنا الكثير من الأفلام الجديدة في وقت لم يكن الفارق كبيرا فيه بين عرضها لدينا وعرضها في العالم.

ولعل للإعلامي الكبير سامي عودة وبرنامجه الشهير المعتمد على وكالات الأنباء المصورة العالمية حينذاك «من كل بحر قطرة» سببا في المواكبة رغم أننا لم نكن يومها في عصر اتصالات وتواصل مذهل أو مدهش كما نعيشه اليوم.

ولنبدأ هذا التحقيق عن الأحواش التي عرضت الأفلام السينمائية في جدة بشكل كبير حتى كاد الأمر يكون أشبه بكثير من دول العالم في طبيعة الثقافة السينمائية، وبحكم أني كنت من رواد هذه الأحواش أستطيع القول إننا كنا نشاهد أحيانا من فيلمين إلى ثلاثة في الليلة الواحدة بشكل يضم وحسب الترتيب فيلما عربيا وآخر أمريكيا أو أوروبيا مثل أن يكون إنجليزيا أو فرنسيا أو إيطاليا وهكذا. وفي الغالب يكون الفيلم الثالث هنديا يطول عرضه إلى ثلاث ساعات حتى ساعات الفجر الأولى وهكذا.

أخذتني قدماي إلى ذلك المربع الجمجومي الشهير «خلف شاورما شاكر» ومن الناحية الشمالية لمقابر أمنا حواء ومعي مصور الجريدة سامر العوفي رفقة واحد من أشهر وجوه جدة سينمائيا العم عليان محمد شعبين «70 عاما» الذي عمل ما يقارب مجمل سني عمره في السينما عرضا وتأجيرا وبيعا وما إلى ذلك مرافقا سيد قاعات العرض في جدة وتجارة السينما الراحل فؤاد جمجوم لأقف على أطلال كن قبل ذلك علامات كبيرة في ثقافة السينما.. كانت هي صفة تلك الأحواش لأتذكر ذلك البيت الشهير لطرفة بن العبد في مطلع معلقته الشهيرة:

« لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك اسى وتجلد » ..

في البدء كانت جولتنا صحبة العم عليان الذي كان يعرفه كل أو معظم أهالي المنطقة من مختلف الطبقات .. أولئك الأثرياء الذين كانوا يستأجرون منه الأفلام ومكائن وآلات العرض وهؤلاء الغلابى الذين لا يصدقون مجيىء وقت المغرب ليتجولوا بين العديد من دور العرض المنتشرة في جدة والتي في حقيقتها هي أحواش عرض ولا تبدو أكثر من ذلك .. سيكون صاحب الذاكرة الجيدة في التعامل مع السينما من أهل جدة ملما بما تختزنه ذاكرته من مشاهد لها علاقة بالسينما مثل دكاكين ومحلات تأجير الأفلام التي كانت عند مدخل شارع الملك عبد العزيز وواجهاتها تفتح شمالا «على بحيرة الأربعين» والتي كانتت تعرض وبجرأة كبيرة أفيشات الجديد القادم من إنتاج السينما العربية وهي التي كانت مفضلة كثيرا عن غيرها لدى أهالي الحجاز وتحديدا الأفلام المصرية التي كان نجومها الأقرب إلى قلوب الناس هنا في المنطقة، إلى أن انتهت هذه الملامح من جدة نتيجة ظروف عدة جاءت بما لا تشتهي السفن وانتهت تجارة السينما في المملكة بعد أن انتشر تأجير ووصول الأفلام إلى الكثير من مناطق المملكة حتى الوسطى من جدة، وأحيانا وصول بعض الأفلام من المنطقة الشرقية التي كانت تصلها الأفلام الأجنبية أولا بأول من خلال «كمباوندز» أرامكو أو غيرها من دول الخليج وتحديدا البحرين، حيث كان الناس أفرادا وعلى مستويات الأسر يشاهدون أفلام السينما أولا بأول.

علامة سينمائية

ولنتعرف أكثر على حياة المجتمع سينمائيا في منطقة الحجاز في تلك الفترة، كان لا بد أن نتعرف في البدء على العم عليان محمد شعبين المولود في جدة منذ نيف وسبعين عاما الذي عمل مع أكبر أباطرة السينما في جدة والمملكة بشكل عام الراحل فؤاد جمجوم حيث يقول :

بيت جمجوم من العوائل الكبيرة المؤثرة على حياة المجتمع ثقافيا، ولقد عملت مع هذه الأسرة طفلا .. عملت في البيت وتحديدا مع العمة مكية جمجوم رحمها الله والدة فؤاد جمجوم ورافقت فؤاد كعامل أو كظل رجل ناجح منذ العام 1958م أي منذ 55 عاما وكنت يومها فوق السادسة عشرة من عمري وكان موظفا في الخطوط السعودية بينما كل أحلامه تتلخص في تحقيق هوايته في إدخال السينما إلى المملكة .. وكانت على شكل «عروض وتأجير وبيع وما إلى ذلك» . وكنت أقف أنا وعمي واستاذي فؤاد جمجوم الذي كتب على سيارته في تلك الايام جمجوم للسينما والتلفزيون تجوب شوارع جدة. شبانا تأخذنا الدهشة أمام أول من بدأ في دكاكين السينما وإدخال الأفلام السينمائية في البلد العم أحمد بادويلان رحمه الله والذي توفي عام 1969، كان ذلك في الأربعينات الميلادية إلى جانب اثنين آخرين هما عوض باعيسى «قريب عمدة حي الشام الشيخ عمر باعيسى» . ثم كان فؤاد جمجوم الذي كنت أعمل معه.

كانت السينما حلمنا والتربح من وراء التأجير ووصولها للناس واحدا من مبالغ أحلامنا ونحن صغار في السن لاسيما أنها وسيلة الثقافة والترفيه الوحيدة يومذاك.. ويستطرد العم عليان شعبين:

بدأت تجاربي الأولى مع الجمجوم في العام 1964م أي في العام 1384هـ وهي السنة التي افتتح فيها جلالة الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز أول محطة تلفزيونية سعودية وفي جدة تحديدا، وكانت بداياتنا في تأجير الأفلام ثم جاءت مرحلة العرض في الأحواش..

الأحواش السينمائية

ويقول العم عليان شعبين الذي كان الأشهر بين الوجوه السينمائية التي تتعامل معها صفوة أهالي جدة للسينما ومن أجل السينما :

بدأت مرحلة الأحواش والعروض السينمائية فيها بشكل فيه الكثير من الجرأة من أناس محبين للسينما كفن وكمهنة وانتشرت تلك الأحواش فكانت إلى جانب سينما الجمجوم سينما محمد سعيد باموسى في باب شريف، وسينما محمد باديب في باب شريف أيضا، وسينما محمد أبو صفية في الهنداوية وهو والد أحمد أبو صفية بطل المملكة في رمي الجلة حاليا، كذلك سينما خالد محضار في باب شريف «وكان موقعها بالضبط مكان مسجد الروضة اليوم» ، وسينما صديق براش وكان عمله يومها مساعدا لمدير الأوقاف ، وسينما سراج عمر سحاحيري في « السبخة » جوار البلدية يومها ثم انتقل سراج بسينماه إلى حي المصفاة بطريق الكرنتينة وكان السحاحيري يومها موظف بلدية ، كذلك سينما قاسم بحي غليل مجاورا حي القريات أمام بترومين ، وسينما «غازي ثواب» في السبيل جوار موقف مكة المكرمة وتحديدا في حوش بيت محمد سبانو رحمه الله وكان يعمل في المباحث يومها. وسينما خليل بغدادي في حي العمارية في عمارة ريدان جوار مصنع حسين شبكشي للأثاث.

وسينما مالك أحمد حسن فرحانة شقيق الكابتن طيار عمر فرحانة، وكان يومها قد منع من الطيران إثر حادث ما. وهناك حوش عرض في حي الشرفية، وكان صاحبه مدير التوظيف في الخطوط السعودية محمد شاهين غريب ــ يومذاك، كذلك حوش عرض في بيت باعشن أمام فيلا نجم كل المجالات الإبداعية في المملكة الراحل مطلق مخلد الذيابي، وحوش عمر غالي أبو صفية في حي السبيل، ودكان لإيجار الأفلام السينمائية في بيت القرموشي، وهذا الأخير عملت معه أيضا، حيث كنا نعمل قبل وبعد العروض السينمائية على مايكرو باص «أنيس» في خط البلدة، وتوفي ــ رحمه الله ــ قبل نحو 9 أشهر، وفي عمارة عمر أديب الأعمى، كما عملت أيضا مع البلجون.. العم حسن بلجون طويلا في نشاط تأجير الأفلام، ثم مع أبنائه طلال، طلعت، سمير، علي، يوسف، وعدنان. ومن هنا توسع نشاطنا في العمل في السينما وتمدد نشاطنا لتوزيع وتأجير الأفلام إلى مكة المكرمة، الطائف (كان محلنا في شارع السداد، وتحديدا عمارة السبيعي)، المدينة المنورة في زقاق الطيار مع الأخوه الغوني وابو السرور وابو السعود، والرياض. وتحديدا وهي المنطقة التي تسمى حلة الضباط وقد هدم الحي بأكملة واصبح مواقفا.

سألته: كانت هذه الأحواش «المخشخشة»، ولكن ما هي الأحواش الكبيرة التي كانت تبدو وكأنها رسمية؟، فقال عليان شعبين:

ــ نعم.. كانت أحواش منطقة الجماجمة هي الأرقى والأكبر، ويأتيها كثير من كبار طبقات المجتمع المختلفة، وينسب الفضل في هذا ــ حقيقة ــ إلى الرجل الذي طور أحواش العرض في جدة ــ آنذاك، وهو الذي بدأت العمل معه منذ العام 1958، أي قبل أن يولد أكبر أبنائه «وحيد جمجوم» المنتج المعروف حاليا، والذي تبعه بعد ذلك إخوته لينا ووائل وأسامة. وكانت أحواش فؤاد جمجوم هي الأكبر والأهم في منطقتهم، وكان يسمي أحواش عروضه بأسماء أبنائه مثل «حوش وحيد»، «حوش وائل»، إلى أن تطور الأمر معه، وافتتح سينما عائلية مكيفة، وحضرها الكثير من أهالي جدة بشكل لا يختلف عن صالات العرض خارج المملكة، من حيث الترتيب والتجهيز وخدمة العروض للأفلام الأحدث أولا بأول. كذلك من الأحوشة الكبيرة «حوش مبروك»، والذي كان مقاما في نفس موقع النادي الأهلي حاليا. كذلك من أشهر وأرقى الأحوشة كان «حوش لافي» في الكيلو 2 طريق مكة، وفي باب مكة.

ويقول الكاتب الأستاذ يحيى باجنيد عن تلك المرحلة الاجتماعية الهامة في حياة السينما في جدة:

كنت من رواد السينما منذ لم تعرف تلك الأحوشة «الكراسي»، كنا نفترش «الخسف» على الأرض بعد أن نملأ جيوبنا بالفصفص خارج حوش العرض، وأذكر أنه كان يرافقني أحد أصدقاء الحارة، وهو الآن فريق متقاعد، ويملأ جيوبه بالفصفص إلى أن يضطر لإقفال جيبه بمشبك حتى لا يتناثر، وأذكر أننا في تلك الأحوشة كنا إذا جاءت سيارة كبيرة إضاءتها قوية وضوؤها أمام الشاشة نشعر وكان شيئا مخيفا قد حدث، ومن الطرائف أن معظم المشاهدين في تلك الفترة قبل خمسين عاما (ستينيات القرن الميلادي الماضي) كان يتعامل مع السينما كأنها واقع ملموس، فتجد أن الغالبية يتفاعلون مع فريد شوقي، بحكم أنه البطل على الشاشة أمام مجرمي الشاشة محمود المليجي وتوفيق الدقن وغيرهما، شهدت بعد ذلك العروض بشكل ارقى في صالات الجمجوم إلى أن جاء العرض الأكثر ترتيبا وهو ذلك المكان الذي كان عبارة عن سينما عائلية بالفعل في فندق العطاس في مدخل منتجع أبحر.

وفي المقابل، دعني أحكي لك عن الحياة الاجتماعية المرتبطة بالفن، كنت أتذكر في البيت عندما تكبس الأمهات سماعات الجرامافون والبيك أب، أيام الاسطوانات الحجر ثم البلاستيك؛ كي لا ينزعج الجيران، عندما كانت بيوت أهالي الحجاز مليئة بإنتاج كبار فناني المرحلة: عمر غابة، القعطبي، طارق عبدالحكيم، محمود حلواني، محمود خان، سهام رفقي، وأم كلثوم وغيرهم، ذلك لأن بيوتنا كانت متداخلة وهمسنا كان مسموعا؛ لأنك تشعر وكان البيوت مجرد غرف في بيت واحد. أما عن العروض المنزلية عندما تستأجر الأفلام وآلات العرض، فكان الشرشف هو شاشة العرض وينصف في منتصف الغرفة، حيث يشاهد الرجال في الأسرة من جانب ويشاهد النساء الفيلم من الجانب الآخر بصورة معكوسة.