ضرب الأبناء بقصد التربية.. أصبح مسألة حائرة بين الممانعين والمؤيدين، فبعض كبار السن يرون أهمية الضرب إن كان وفق ضوابط تقننه، معتبرين الضرب البعيد عن العنف يلائم فئات من الأبناء لا يجدي اللين معهم سبيلا، مشيرين إلى أنه وسيلة مثلى لمنع بعض الأبناء من عادات تستدعي الحاجة إلى تخويفهم، ومستشهدين على مشروعيته وفائدته بما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة (واضربوهم عليها لعشر)، معتبرين أن منع الضرب ساهم نوعا ما في تفسخ النشء، وخروجهم عن القيم، إذ خلصوا بأنه (أي الضرب) غير المبرح يقوم الجيل على الرجولة.
وعلى الجانب الآخر، عارض مختصون وآباء تلك النظرية، منوهين الى أن الحياة في الماضي قاسية لا تتواءم وحاضرنا، لافتين إلى أن المنع يحوي فوائد جمة، مثل: حماية الطفل، وتحقيق حياة مستقرة له في ظل وجود معلمين مثلا لا يراعون أو يعون طرق التربية السليمة، بمعنى أن الضرب يقتل البراءة، لافتين إلى أن قرار وزارة التربية والتعليم بمنع الضرب في المدارس أسهم إيجابا في نفسيات الطلاب، خصوصا الأطفال منهم.
وكانت وزارة التربية والتعليم قد منعت الضرب في المدارس، خاصة أنه تسبب في حالات نفسية لبعض الطلاب، كما يؤكد المشرف التربوي خالد مبارك السفري، الذي أوضح أن المعلمين أصبح لديهم وعي بمخاطر الضرب وإن وجد فهي حالات فردية. ورأى أن الضرب لا يعدل سلوكا للطالب ولكنه يتسبب في انحرافه، موضحا أنه ليس كل خطأ بسيط يحتاج فيه إلى الضرب، وليس هو الأداة الأساسية للتربية.
تأييد ومعارضة
عندما بدأت في هذا التحقيق مع نموذجين من الجيل القديم والجديد، قال أحد المنتمين للجيل القديم العم محمد سالم: نشأ مجتمعنا في فترة ماضية على القيم، ولا يعرف التفسخ، فمعلم العهد المنصرم يربي الطلاب في الكتاتيب بعلقة على القدم، حتى تميز ذاك الجيل عن الحاضر، مبينا أن المقصود بالضرب هو الذي يجانب العنف والتجريح، ويراعى فيه التنبيه والتربية، رافضا إلغاء فكرة الضرب عن الأبناء، منوها الى حاجة الطفل إلى أنواع من التربية يكون الضرب أحدها.
أما النموذج الثاني للجيل الجديد فهو محمد عبدالله (أب لثلاثة أبناء) يقول: لا أضرب أبنائي، ولا أقبل من معلميهم تربيتهم بهذا الشكل، مبينا أنه يسلك في التربية سبيل الحرمان، لأنه بحسب نظره الطريقة المثلى للطفل كونه لا يقاوم ما يريد، معارضا فكرة الضرب للأبناء، ومعتبرا أنه لا يجدي حاليا، كون الحضارة تحتم نهجا مختلفا في التربية.
وفق قوانين
ولكن للمختصين رأيا حول ذلك، فمثلا نجد أن أستاذة التوجيه والإرشاد في كلية البنات في جدة نوال عثمان الزهراني تقف في حياد تجاه الرأيين السابقين، حيث تقول: لست ضد الضرب، بل معه، ولكن وفق قوانين تسبقها النصيحة، مبينة أن الضرب لا يكون إلا عند الحاجة القصوى، مع مراعاة أمور فيه، كالابتعاد عن الأدوات الحادة أو المؤثرة على الجسد، مثل الأسلاك الكهربائية ونحوها، ووجوب اجتناب مساس الوجه، وألا يحوي الضرب عنفا وعدوانا، حتى لا يصبح وسيلة سلبية بدلا من ان يكون علاجا.
وأشارت الزهراني إلى ضرورة مراعاة عمر الطفل، ونوع الضرب تجاهه، مشددة على عدم الإضرار به معنويا أو جسديا، واصفة ما تتناقله الألسن بأن تفسخ المجتمع سببه عدم الضرب بغير المنطقي، مرجعة التفسخ لغياب دور المربي، وإيكال المهام للخادمة، نافية في الوقت ذاته اعتبار الضرب أداة أساسية للتربية محذرة من وصف الجيل بالمنسلخ لأنهم نتاج تربيتنا.
ولضمان تربية مثلى طالبت الزهراني من الآباء بجلوس الوالدين مع أبنائهم وفتح حوارات معهم ومتابعة ما يشاهدونه وتحذيرهم من عادات تظهر على الشاشات بدلا من التخلص من الأبناء بجعلهم أمام الألعاب الالكترونية من 8 ــ 12 ساعة.
المسألة مقيدة
الرأي الشرعي كانت له وجهة نظر متجانسة مع كل الأطراف، فيقول الأستاذ في قسم الفقه في كلية الشريعة في القصيم الدكتور خالد بن عبدالله المصلح: ضرب الأبناء أقره الشارع الحكيم، ليس على الإطلاق، بل قيده بالسن والقدر والكيفية، كما قال صلى الله عليه وسلم (واضربوهم عليها لعشر).
وبين المصلح أن الضرب في سياق الحديث السابق من حقوق الله، لكن حقوق الخلق يراعى الهدف المنشود، وهو التأديب، ويعرف المضروب بسبب عقابه لتحصل المنفعة، مشددا على عدم جواز الضرب دون إدراك المعتدى عليه للسبب، وألا يتجاوز ما يحقق المقصود وهو الردع والزجر والعلاج، مؤكدا على ضرورة إظهار الوالدين علامات الغضب عند ضربهم لأبنائهم، حتى يزجر الابن، مطالبا بمراعاة أداة الضرب، فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعتمدون على السواك، وليس العقال والنعال الذي يستعمله البعض. وعن معاقبة الابن عند اعتدائه على أخيه، قال المصلح: الأصل في ذلك قوله تعالى: (ومن اعتدى عليكم فاعتدوا بمثل ما اعتدى عليكم)، فيمكن المضروب من أخذ حقه دون الإضرار بأخيه، على ألا يكون الاعتداء فيه كسر في السن، أو سالت على إثره دماء، لأننا لا نمكن المظلوم في هذه الحالة أخذ حقه بيده، لا سيما إن كان دون سن البلوغ، مؤكدا الاستعانة بوسائل للتربية، بعيدة عن الضرب إن سنحت الفرصة.
وعبر المصلح عن استيائه من العنف الأسري المتفشي حاليا في المجتمع، مشيرا إلى أن العنف دلالة على الاستهتار بالإنسان، وهو مخالفة شرعية، مطالبا بالوقوف أمام العنف، ونبه المصلح الى أن الضرب على الوجه منهي عنه حتى في أشد الأحوال كالاقتتال.
الجيل السابق يطالب بإعادته والحالي وصفه بـ«قتل البراءة».. شرعيون ومختصون:
ضرب الأبناء .. ضوابط مقننة لا عنف وانتقام
16 فبراير 2012 - 21:32
|
آخر تحديث 16 فبراير 2012 - 21:32
ضرب الأبناء .. ضوابط مقننة لا عنف وانتقام
تابع قناة عكاظ على الواتساب
محمد المصباحي (جدة)