تقترح رسالة الصولي لأبي الليث، والتي تضمنت أخبار الشاعر أبي تمام، لقارئها المنهج الذي يمكن له أن يعتمده في الكتابة عنها مساهمة بذلك في إخراجه من متاهة الحيرة بين المناهج المتعددة والتي يشكل كل واحد منها مفتاحا من مفاتيح النص الذي يمكن النظر إليه باعتباره نصا أدبيا لما احتوى عليه من أشعار ورؤى نقدية، كما يمكن النظر إليه باعتباره متنا من متون التاريخ لما عنى به من أخبار وقصص تعكس جوانب من تاريخ الخلفاء والأمراء وأحداث العصر الذي عاش فيه أبو تمام. وإذا كانت تسمية الكتب « رسائل» تقليدا شاع في الثقافة العربية على نحو ما نجده في رسائل الجاحظ فإن أخبار أبي تمام للصولي لم تكتسب تسميتها بالرسالة اعتمادا على ذلك التقليد وإنما لأنها كانت بالفعل رسالة بعث بها الصولي لأبي الليث صدرها بشكواه من تغير الزمان وهجر الخلان وجفاء السلطان، متبعا ذلك بجملة من أخبار أبي تمام متخذا تلك الرسالة توطئة لجمع شعر أبي تمام معربا مفسرا مرتبا على حروف المعجم، كان كتاب الصولي رسالة اجتهد محققوه في تسميته فسموه بموضوعه «أخبار أبي تمام» رغم إشارتهم إلى أن المخطوطة الوحيدة التي اعتمدوا عليها في تحقيق الكتاب حملت اسما آخر هو «رسالة أبي بكر محمد بن يحيى الصولي إلى أبي الليث مزاحم بن فاتك في تأليف أخبار أبي تمام الطائي وشعره» .يقترح علينا كتاب الصولي من خلال اعتماد تسميته «رسالة» منهجا أسلوبيا يستثمر نظرية جاكبسون في النظر إلى اللغة باعتبارها وسيلة للتواصل، وعندها يكون بإمكاننا أن ننظر للكتاب باعتباره رسالة ذات مضمون وهدف يعبر عنهما بجملة من الشفرات كما أن لها مرسلا محددا وهدفا محددا كذلك. رسالة الصولي التي جاءت بناء على طلب من أبي الليث تسعى إلى أن تقدم حلا لمعضلة تتمثل في تلك القطيعة التي قامت بين واحد من أشهر شعراء العربية وجمهوره من المستمعين لشعره في حياته والقارئين لذلك الشعر بعد موته، وذلك لما كان يستشعره هؤلاء وأولئك من غموض تجربته الشعرية وهو غموض ضاعف من كثافته الافتقار إلى شرح يوضح معانيه ويهدي إلى سبل تفهمه، وقد أدى ذلك إلى تجنب العلماء شعر أبي تمام خشية أن يتورطوا في العجز فيما لو سئلوا عن معنى من المعاني وعجزوا عن الوصول إليه، ولم يتوقف بعض أولئك العلماء عند حدود تجنب شعره بل مضوا أبعد من ذلك حين أخذوا في الطعن على أبي تمام والنيل من شعره، يقول الصولي:(أما ما حكى عن بعض العلماء في اجتناب شعره وعيبه، ولا أسمي منهم أحدا لصيانتي لأهل العلم جميعا، وإبقائي عليهم، وحياطتي لهم، فلا ننكر أن يقع ذلك منهم لأن أشعار الأوائل قد ذللت لهم وكثرت لها روايتهم ووجدوا أئمة قد ماشوها لهم وراضوا معانيها فهم يقرأونها سالكين سبيل غيرهم في تفاسيرها واستجادة جيدها وعيب رديئها) ويؤكد تفسيره لتلك القطيعة بين شعر أبي تمام وعلماء العصر حين يذكر بأن أولئك العلماء في شعر المحدثين أئمة مثل أولئك الأئمة الذين شرحوا شعر القدماء ولا رواة كأولئك الرواة كما لم يعرفوا ما كان يقوم به شعر أبي تمام ويضيف الصولي: (وقصروا فيه فجهلوه فعادوه) رسالة الصولي إذن تهدف إلى إعادة الثقة بين أبي تمام وعلماء العصر وردم الفجوة بينه وبينهم وذلك بشرح وتفسير وضبط شعر أبي تمام وهو الشرح الذي جاءت الرسالة تمهيدا وتقديما له. وما لم يقله الصولي غير أن كلماته توشك أن تكشف عنه هو أنه يقوم مقام أولئك الأئمة القدماء والرواة الأوائل الذين مهدوا سبيل التعاطي مع أشعار القدماء فسهل على المتأخرين روايتها ومعرفة معانيها وتمييز الجيد والرديء منها.ورواية أخبار أبي تمام مع معاصريه، تلك الأخبار التي اهتمت بها الرسالة يمكن لها أن تشكل حجرا في الجسر الذي أراد الصولي أن يبنيه بين أبي تمام وعلماء العصر الذي يعيش فيه، ولرواية الأخبار وجهة أخرى تبعث برسالة تؤكد أنه لا يليق بالمعاصرين من العلماء أن يجهلوا أو يتجاهلوا شاعرا كانت له كل هذه الأخبار، وكان يمتلك كل هذه العلاقات بخلفاء وأمراء وعلماء العصر الذي كان يحيا فيه كما أن تلك الأخبار تكشف عن عمق القطيعة بين تجربة أبي تمام وعصره الذي حالت الذائقة السائدة آنذاك دون تفهم تلك التجربة، وذلك ما يعني أن الصولي يتصدى لمهمة تاريخية لم يعجز علماء عصره عن حلها، بل عجز علماء عصر الشاعر عن ذلك الحل كذلك.غير أن رسالة الصولي تتضمن شفرات أخرى للنص لا تتوقف عند أخبار أبي تمام وهدفا آخر لا ينحصر في إعادة تجسير الفجوة بين أبي تمام وعلماء العصر، فالرسالة احتفت بشيء من أخبار مرسلها كذلك وأفصحت عن جانب من معاناته بدأ بالشكوى مما انتهى إليه أمره من معاناة تمثلت في ( جور الزمان وجفاء السلطان وتغير الأخوان) وهو ما جعل محققي الرسالة يذهبون إلى أن الصولي ألفها في أواخر أيامه مشيرين إلى تلك المحنة التي اضطرته للخروج من بغداد والإقامة متخفيا في البصرة حتى روي أنه مات متسترا بها.
شفرات الرسالة تضمنت الإلماح للخصومة ما بين الصولي وعلماء عصره الذين كانوا يطعنون عليه، ويناصبونه العداء في الوقت الذي لا يتورعون عن سرقة كتبه ومسابقته على ما يعرفون أنه يعتزم التأليف فيه.ثمة قطيعة أخرى تجسدها رسالة الصولي إلى أبي الليث يمكن إضافتها للقطيعة التي كانت بين أبي تمام ومعاصريه، القطيعة الأخرى هي القطيعة بين الصولي ومعاصريه من سلطان جفاه وخلان تغيروا عليه وعلماء تنكروا له.ويضاعف من حجم تلك القطيعة أمران أولهما أنها جاءت في السنوات الأخيرة من حياة الصولي أي بعد زمن كان فيه مقربا من السلطان الذي تحدثنا سيرة الصولي أنه كان من (الأدباء الظرفاء حسن المعرفة بآداب الملوك والخلفاء) وهذا يعني أن تلك المعرفة وذلك الحذق لم يشفعا له حين انتهى أمره مشردا متسترا بعيدا أو مبعدا عن بغداد، كما أن تلك القطيعة جاءت بعد عمر أفناه في التأليف والتصنيف على نحو جعله من أشهر علماء عصره، وأكثرهم تأليفا، غير أنه العلم الذي لم يشفع لصاحبه كذلك، والتأليف الذي لم ينفعه.والصولي الذي انتهى مشردا محروما مما قبل به من مجالسة للأمراء كان دون شك يستشعر مأساة أكثر عمقا ذلك أنه ( كان ذا نسب وكان أهله ملوك جرجان)، وهو يدرك، حتى وإن لم يقل، أنه كان هو الأولى بأن تروى أخباره ويسعى إليه العلماء والشعراء لولا ( تغير الزمان) الذي كان يشكو منه.وإذا ما تبينا مضمون الرسالة وهدفها والشفرات التي تختبئ في ثنايا نصها وتبين مرسلها ووضعه والحال الذي آل إليه، والمرسل إليه وهو أبو الليث الذي لم يستطع محققو رسالة الصولي أن يجدوا أي معلومات عنه غير أنه يبدو لنا أنه كان من وجهاء العصر آنذاك أو أمرائه، إذا ما تبينا كل ذلك كان لنا أن نذهب إلى أن رسالة الصولي في أخبار أبي تمام كانت في جانبها الخفي خبرا عن الصولي نفسه. وإذا كان هدفها المعلن إعادة وصل أبي تمام بعصره، ورد اعتباره إليه فإن هدفها غير المعلن هو إعادة وصل الصولي بعصره ورد اعتباره إليه كذلك.الخبر عندئذ لا يهدف إلى نقل معلومة فحسب، بل يهدف إلى إحداث أثر والأثر الذي كان يتوخاه الصولي من وراء رسالته لا يتوقف عند إعادة صلة أبي تمام بالعلماء وكشف الغموض عن شعره، بل يذهب إلى عادة وصل الصولي بمعاصريه ورفع الضيم والظلم عنه.
• بحث مقدم كأحد متطلبات الماجستير في معهد إينالكو في باريس بإشراف الدكتور كاظم جهاد
رسالة الصولي إلى أبي الليث..من الخبر إلى الأثر
1 فبراير 2012 - 20:55
|
آخر تحديث 1 فبراير 2012 - 20:55
رسالة الصولي إلى أبي الليث..من الخبر إلى الأثر
تابع قناة عكاظ على الواتساب
نهلة سعيد الحربي