تململت على فراشي كثيراً في ليلة من الليالي الباردة الدافئة، فقدت طعم النوم اللذيذ، تجثم على رأسي الصغير الملئ بالطموح، النجاح، الألم، مواصلة الفرح، معانقة الجمال، الآمال التي تنتهي باختطاف القمر نهاراً حتى لا يراني..!! نهضت من سريري لأشرب كأساً من الماء البارد، اتجهت نحو ثلاجتنا القديمة المتهالكة، اصطدمت ركبتي بالسرير، اضأت المصباح، لأبصر طريقي نحو القمر!!. شيء غريب يحدث في مجلس العائلة، تطلعت الى السماء، لم أر القمر، الأصوات لم اعرفها، تأكد لي انهما صوتان، يتبادلان الاحاديث ألصقت أذني بالباب، وتركت لجسدي ان يأتي بكأس ماء بارد ليبزغ صوت من الداخل: ثق تماًماً ان النهار أفضل!!
الليل أفضل!!
النهار بياض والليل ظلمة مخفية!!
والليل راحة وعذاب!!
أخذت أتساءل لهذين الصوتين لماذا يتفاضلان بالنهار والليل، وعندما لم أجد جواباً شافياً، اقتلعت أذني من على الباب، ورجعت الى فراشي الدافئ المليء بكوابيس ألف ليلة وليلة، وصت "قمر الزمان" يزحف نحوي هادئاً برائحة زكية، تقول: سمِّ الله وارقد.
نهار:
توجهت الى عملي في صباح اليوم التالي.. جاهدت نفسي أن ابتدئ نهاري بالابتسامة حتى لو كانت "نص كم" نظرت الى زميلي في العمل ابتسمت له، "جمّدني" داعبته، نظر لي شزراً!!
هذا الرجل يحرث حقول الهمّ بداخله، لينثر حبوبه البيضاء، وينظر الى سماء العطاء، وينتظر قليلاً حتى تبزغ الثمار يانعة جميلة، وقبل قطفها ينظر لي ثانية، يبتسم، ليعالج ما أرتكبه من خطأ قبل قليل، وتبدأ "السوالف" و "والضحوك" ويأتي الحسد من المكاتب المجاورة لمكتبنا، اتصف "أحمد" بالنبل والكرم والشجاعة والسماحة، وبياض القلب، هم يقولون ذلك!! وتقترب الشمس الى الزوال، الى الغروب، الى الاصيل الى الحب الى الرومانسية، العناق.
تأتي شهرزاد تبحث عن شهريار في الحارة ويداهمنا الليل:
ليل:
قالت شهرزاد: بلغني أيها العمدة أن "أحمد" ما عاد يسوى بصلة!! وانه جاب المشاكل للحارة!. وزعل العمدة حتى انتفخت أوداجه وكاد ينفجر، قامت شهرزاد أرسلت واحداً من عيال الحارة لجلب كأس ماء بارد من جزر الواق واق، خمس دقائق وكأس ماء بارد خلط بماء الورد شرب منه العمدة حتى روي، لانه زعل من ولده أحمد، إذا حلّ الليل على احمد تعامل بالبشاعة والظلم والقسوة وإيذاء الآخرين، يستحيل بياض النهار الى عتمة مخيفة بداخله وهو كثيراً ما يحدثني عن احساسه بالغرق في فضاء الكون بفجاعة وخوف، ويقول لي: التناقض سر الوجود وانه أجمل ما في البشر!!. ويرد عليه صوت على صلة بي من قريب.. جميل اذا كان مؤطراً بحدود شفافة وخيوط جذابة، بعد ما طرده العمدة من الحارة أتى متخفياً الى بيتي ليلاً حتى لا يراه أحد، ودخل المجلس بعد ان ضاقت به الدنيا وبرفقته شهريار ووشاية شهرزاد وحقول لم يحرثها الخوف بعد ما زالت قابعة تنتظر..!!
حقول الخوف
5 مارس 2006 - 19:55
|
آخر تحديث 5 مارس 2006 - 19:55
تابع قناة عكاظ على الواتساب
صالح السهيمي