تذكرون فيلم «البيضة والحجر» الذي لعب فيه أحمد زكي دور أستاذ فلسفة ينقلب على كل القوانين الأخلاقية ويصبح مشعوذا يقرأ الكف ويبيع الأحجبة ويصنع المستقبل، فيزوج العانس ويوظف العاطل ويعيد الشيخ إلى صباه، يفعل ذلك بخرزة ملونة أو كأس خمر مقروء عليه أو أغنية (الدربندوخ .. الدربندوخ .. كنا شباب وبقينا شيوخ!)، لكنه في نهاية الفيلم يقع في ورطة كبرى حين يجد نفسه وجها لوجه أمام شخصية ذات نفوذ كبير وسلطة حقيقية يعاني صاحبها من إشكالية حياة أو موت، فقد قرر الأطباء إجراء عملية لابنته، لكن نسبة نجاحها ضعيفة جدا، وهو يطلب من المشعوذ قراءة ما تقوله النجوم لمعرفة المستقبل هل يرفض العملية الجراحية أم يقبلها؟ لحظتها لم يجد أحمد زكي أمامه دربا غير الاعتراف بالحقيقة: (يا باشا .. أنا نصاب .. والله نصاب!) ويقبل السجن على الموت على طريقة (رصه بالموت يرضى بالمرض!). نفس الفيلم تكرر قبل أيام على إحدى القنوات الفضائية قناة «المحور» تحديدا التي تقدم برنامجا لتفسير الأحلام، يحضر شيخ (الدربندوخ) ومعه مذيعة لزوم النصبة وبينهما طاولة وهات يا مكالمات! واحدة من هذه المكالمات جاءت من سيدة تحلم بصراصير على الكرسي وتشرح للشيخ مرض أختها وحاجتها إلى عملية جراحية وتسأل هل تستمع إلى رأي الطب أم لا؟! لم تكن السيدة ذات سلطة ونفوذ، ولم تكن العملية ـــ كما ذكرت عبر الهاتف ـــ ضعيفة احتمال النجاح، الأمر الذي لم يربك (الدربندوخ) كثيرا، فقرر تفسير الحلم بنجاح العملية. وفي برنامج (المعجزة الكبرى) على قناة (دريم 2)، يقرر (دربندوخ) آخر الخروج علينا ببشرى نهاية إسرائيل سنة (2022)، مدعيا امتلاكه لآيات قرآنية كريمة تؤكد ذلك، مسهبا في شروح أرقام وترقيم شروح لا تدخل عقل بشر سوي، ورغم تمنياتي الحارة بزوال إسرائيل وعودة الأرض إلى أهلها، إلا أنني أتساءل جادا: وهل نحن أسوياء حقا؟! كيف يمكن لنا الادعاء بمثل هذه السوية وفينا من لا يقتنع بأمر الطب والفحوصات وهو حتى يقرر إجراء عملية جراحية يحتاج إلى: أشعة طبية وحلم بكومة صراصير تلعب على كرسي وشيخ (دربندوخي) لتفسير الحلم؟! لقد كان بطل فيلم (البيضة والحجر) معلما فاضلا يرفض الدروشة والإعوجاج والجهل والنصب، لكن الناس قادوه إلى هذا الطريق بقوة الجهل وضعف الاحتياج وهو بالضبط ما نفعله يوميا عبر الشاشات وبعيدا عنها. الناس خارج الفيلم يشبهون تماما الناس داخل الفيلم، أما أبطال العرض فبينهما اختلاف في الفيلم، كان أحمد زكي يمثل لنا، بينما مشايخ (الدربندوخ) خارج الفيلم فإنهم يمثلون علينا!.