كانوا هنا في يوم ما ثم تلاشوا.. انقرضوا واختفى الضجيج الذي ملأ المكان، اختفت الأدخنة، النيران، الصخور، والغبار، الجميع كان يتحرك بلا توقف من أول النهار وحتى الغروب، بل هناك من يظل حتى صباح اليوم التالي، الجباه متعبة ومرهقة خلف سحب الدخان الأسود الكثيف، فذا يأتي بالأخشاب وذاك يحمل الصخر، وآخر على كتفه كيس أتى به من عمق المنجم في الجبل، في حين هناك جمال يراقب مستعجلا يرغب في التحميل بمسحوق غبار الذهب كما كانوا يطلقون عليه، أما المعلم أو الخبير فيقف ناهرا عاملا تباطأ أو تذمر من مشقة العمل.
هؤلاء جميعا تحولوا إلى أثر بعد عين، أنهم مجرد ذكريات عن عهد مضى يروي قصة «النورة» أو الحجر الجيري الذي كان من أهم مواد البناء في عصر ما قبل الأسمنت والحديد، فكان الحجر يمر بمراحل تبدأ من استقطاعه من المناجم في حضن الجبال، ثم تقطيعه، رصه، وحرقة في أفران مخصصة، وأخيرا بيعه لاستخدامه في البناء، ما قصة «النورة» وأين ذهبت؟.
الذهب الأبيض
في منطقة صحراوية أمرني مرافقي بالتوقف عن السير فجأة وقال: توقف ثم أنصت ألا تسمع بقايا صوت معاولهم وهي تنحت الصخر، أنهم كانوا هنا وربما، لازالوا هناك داخل منجم النورة، لكن لم نسمع سوى أزيز ذباب يترنح على المخلفات في المكان الذي تحول لمردم لمواد البناء والأسفلت، وبالاقتراب من المنجم، قال مرافقي: كنت أسمعهم وهم ينشدون المواويل، أصواتهم تعلو تارة ثم تخبو تارة أخرى، أنهم عمال في أعماق الجبل يبحثون عن عرق صخري ويتتبعونه حيثما تمدد في جوف الجبل، يجمعون الصخور البيضاء في سلال ثم يتبادلون نقلها من شخص إلى آخر حتى يستلمها من يقف عند المدخل، وبدوره ينقلها إلى جوار الفرن، ثم استطرد: لا تستعجل سوف تشاهد الأفران عن قرب، قاطعته: ندخل أولا في الكهف، ابتسم، وقال: اسمه منجم النورة أو منجم الذهب الأبيض أنه يشبه كثيرا منجم الفحم ولا يختلف عنه إلا في كون الأول يبحثون عن الفحم، في حين يبحثون هنا عن النورة، فهل تعرف ما النورة؟.
سواعد تنحت
النورة كانت المادة الأولى في مشروع أي بناء هي مادة بيضاء كانت بمثابة الأسمنت الآن الذي قضى عليها بعد ظهوره، إنه نجح في إقصاء هذه المادة التي كانت تقترب من سعر الذهب.
كانت نادرة لقلة أماكن وجودها، وكان هناك متخصصون مهرة قلائل يعروفون مناجمها بدقة، ومتى قرروا التنقيب عنها جاء (المعلم) بمعداته التقليدية (معاول، عتله، أزميل، زنابيل من الخصف أو السعف، وشاكوش كبير) ومع أنها بسيطة إلا أن خلفها سواعد تدك الجبل وتخرج ما في بطنه.
أخذ ينظر مرافقي بعيدا ويقول: هذا المنجم الذي لا نعرف له نهاية هو كهف مظلم ليس به شيء سوى ظلام دامس لا تستطيع أن تشاهد فيه يدك، ومع ذلك كانوا يتقاطرون فيه واحدا تلو الآخر وبلا معدات تنفس، وكانوا يتعرضون للانهيارات، مثلما تنهار مناجم الفحم في أي مكان في العالم، ونتيجة لهذه الانهيارات يعيش من يعيش ويموت من يموت، ولكن العمل لا يتوقف، العمال جميعهم من أبناء البلد، جميعهم يعملون كخلية نحل والعمل يوزع بدقة دون تكاسل.
خبراء مهرة
يستطرد المرشد أو الدليل شاهد العيان على عصر مضى ومهنة انقرضت قائلا: العمل يتم وفق أصول ومعايير يشرف عليها (المعلم)، فهناك عمال يجملون الصخور من موقع التجميع، وعمال الرص داخل الفرن، وهناك الجمالة الذين ينتظرون لنقل النورة الجاهزة إلى الطائف أو جدة أو المدينة المنورة، ويبقى المشرف على النار أو حرق الصخور الذي لا يأتي إلا بعد اكتمال وضع النورة داخل الفرن بشكل دائري ووضع الحطب في منتصفها، ثم يشعل النار ليومين وربما ثلاثة، مدة الحرق يحددها المعلم طبقا لخبرته.
وفي أثناء ذلك تعلو الأصوات والنداءات التي تملأ المكان، فتسمع: يا أبو حدرية، يا الشاخص، يا مستور، يا ابن المطوع، يا مسلم، هذه أسماء عمالقة سادة نحت النورة من هذه الجبال، حيث كانت لهذه الأسماء وقعها، وكانت النورة المتميزة ترتبط بهذه الأسماء، حيث يوصي صاحب البناء بشرائها من ابن المطوع أو ابن مسلم، أو أبو حدرية وهكذا.
يصمت مرافقي قليلا ثم يستكمل: المؤلم لقد توفوا جميعهم منذ زمن، ماتوا مثلما مات هذا المكان وذهبت معاني الحياة التي كانت موجودة.
7 ريالات
عاد المرافق إلى ذكرياته الخاصة فقال: كنت أعمل مقابل سبعة ريالات في اليوم، كنت استلم المبلغ الكبير وأنطلق إلى أمي التي كانت تجمع مدخراتي لاستكمال المهر لزواجي، كنت مجرد عامل أحمل صخور النورة وأضعها بالقرب من هذا الفرن، وهو عبارة عن بناء دائري في جوف الأرض يحتفظ بحرارة النار، من أجل تفتيت الصخور، لكن هذا لا يمنع من أن يكون بناء الفرن فوق الأرض ولكن هذا نادر، المهم هذا البناء يبنى من صخور معينة من الجبل، وهي تتحمل حرارة النار المشتعلة، ثم يأتي المعلم لرص الصخور بطريقة معينة، فلا يضع الصخور فوق بعضها عشوائيا، وإنما بشكل منظم يراعي فيه تغلغل النار بصورة متساوية، بحيث لا يحجب صخر النار عن الذي يليه، يستغرق رصها من ثلاثة إلى أربعة أيام، و بعد أن ينتهى يعود إلى الفتحة الرئيسية للفرن ليتأكد من وضعية الصخور، وهذه الفتحة عبارة عن بوابة الفرن، لوضع حطب الاشتعال، وهذه العملية لا يتقنها كل معلم، بل كان هناك مهرة ينتظرهم الناس حتى لو تأخروا، كما أنهم يشترطون أجرة مرتفعة جدا، ولهذا كانت أسعار النورة تعتمد على أسعار المعلم، ولذلك كان المشتري يسأل من المعلم الذي أشرف على حرق النورة، لكي يتحدد السعر.
وفي موقع ليس ببعيد عن المنجم، يروي عطية اللحياني رجل لم يتجاوز الخامسة والأربعين، لكنه يحمل شذرات عن المكان استمع إليها من أقاربه وأخذ يسرد ما وصل إليه فقال: لم يعد للنورة مكان لقد مات المكان منذ ما يقارب الأربعين عاما، لكن دعني أخبرك أن صخور النورة بعد حرقها تتحول إلى بودرة بيضاء يضعها العمال على هيئة بطحاء، بجوار الميزان وكان بيعها بالقنطار، وهناك نوعان من النورة، المطفأة وهي التي توضع في الماء بعد إخراجها من الفرن، والحارة التي لا تبرد بالماء وهذه تستخدم في البناء عموما، لكنها اشتهرت في طلاء المنازل والزخرفة، وموجودة الآن إلا أنها مستوردة.