قرأت ما ورد في زاوية (يتداولون) في ملحق الدين والحياة في عـكاظ يوم الخميس 23/12/1430هـ ص15، وعنوانه (40 صلاة في المسجد النبوي)، وقد قدم بملخص جاء فيه (درج بعض الحجاج على القيام ببعض الأفعال البدعية الغريبة ظنا منهم بأنها جزء لا يتجزأ من الفريضة، رغم أن هذه الأفعال لم يرد بها نص من الكتاب والسنة، ولم يثبت قيام أحد من السلف الصالح بفعلها، ومن ذلك اعتقاد بعض الحجاج بوجوب البقاء في المدينة بعد الحج لمدة ثمانية أيام لأداء 40 صلاة في المسجد النبوي)، وقد طرح هذا السؤال على ثلاثة من العلماء والفقهاء، وخلاصة قول أولهم «هذا لم يأت به دليل شرعي أو نص» وخلاصة قول الثاني: «أن هذا الفعل ليس من هدي النبي (صلى الله عليه وسلم)، وليس من هدي السلف، ولم يرد في كتب الفقه أن من توابع الحج المكوث في المدينة ثمانية أيام للصلاة أربعين صلاة لذلك فهي من الأمور المبتدعة ومن الإحداث في الدين»، وأما الثالث فخلاصة قوله «أنه لم يأت به دليل من الكتاب والسنة وأنه أمر مبتدع في الدين».
ولي إيضاحات حول ذلك:
1-القول إن ذلك ليس من شعائر الحج لا خلاف عليه، ولو حصر الموضوع في ذلك لكان مقبولا أما أن تبدع صلاة أربعين فرضا متوالية في المسجد النبوي فهذا كلام مردود، وخلاف النص، وتبديع لعمل صالح.
2- القول إن الموضوع لم يرد في السنة غير صحيح، فالموضوع ورد في كتب الحديث الشريف فقد ورد الحديث في مسند أحمد برقم 12583 (ط1، مؤسسة الرسالة) وغيره، ومن أراد ذلك فليرجع لما سنورده من كتب الحديث فيما بعد.
3- نص الحديث النبوي حول ذلك كما رواه أنس بن مالك في رواية أحمد (من صلى في مسجدي أربعين صلاة، لا يفوته صلاة، كتبت له براءة من النار، ونجاة من العذاب، وبرئ من النفاق).
4- ضعف الشيخ الألباني هذا الحديث من جهتين: جهالة نبيط بن عمر الراوي عن أنس، ومغايرته لحديث أنس الآخر في فضل إدراك التكبيرة الأولى مع الجماعة، ونصه كما في السلسلة الصحيحة برقم 1979 ( من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق).
5- وقد تتبع الشيخ حماد بن محمد الأنصاري تخريج الشيخ الألباني السابق في رسالة مطبوعة حول هذا الحديث سماها (رفع الاشتباه عن حديث من صلى في مسجدي أربعين صلاة) وطبعها مع رسائل أخرى، وقد رفع فيها عن نبيط جهالة العين وجهالة الحال، مبينا أن الاستدلال بالمغايرة في غير محله، لاختلاف موضوع الحديثين، فحديث الإمام أحمد في فضل الصلاة في المسجد النبوي الشريف وحديث أنس الآخر في إدراك التكبيرة الأولى مع الجماعة في أي مسجد كان الإدراك، وختم الأنصاري ذلك بقوله ص 36 «ولو فرضنا أن حديث نبيط هذا ضعيف، كما زعم الأستاذ في سلسلته، فلا يمنع مثل هذا الضعف، على قول الأستاذ، من الأخذ بمثل هذا الحديث لما يعرفه الأستاذ وغيره من أئمة هذا الشأن من أن الحديث إذا لم يتضمن عقيدة ولا حلالا ولا حراما جاز العمل به في الفضائل؛ لأن باب الفضائل لا يشدد فيه هذا التشديد إذا كان لهذه الفضيلة أصل في الشرع، كحديث أبي هريرة، المتفق عليه، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (ط1، 1415هـ، مكتبة الدار، المدينة المنورة).
6- عنون د. صالح الرفاعي لهذا الحديث في كتابه ( الأحاديث الواردة في فضائل المدينة) بعنوان ( ما ورد في أجر من صلى في المسجد النبوي أربعين صلاة متتابعة) وأورد كتب الحديث التي ورد فيها، ويفهم من سياق كلامه أنه يرجح رأي الشيخ الألباني وإن لم يصرح بذلك (ص435 ،ط1) أما د.خليل خاطر في كتابه ( فضائل المدينة المنورة) فعنون له بعنوان (ثواب من صلى فيه أربعين صلاة متصلة) وأورد كتب الحديث التي ورد فيها – ويتضح من سياق كلامه أنه لم يضعف الحديث (2/220، ط1، دار القبلة).
والخلاصة أن حديث الأربعين صلاة ليس خاصا بالحج، ولم يقل أحد بذلك وهو فضل على مدار العام، بما في ذلك سكان المدينة، وفي كلام الشيخ الأنصاري السابق إيضاح لذلك، ولم يقل أحد ببدعيته، ولماذا يستكثر على حاج في رحلة عمر أن يحصل على هذا الفضل فضلا عن أن يبدع، والحجاج يذهبون للمدينة قبل الحج وبعده وليس بعده فقط، ولا يعدون ذلك من شعائر الحج، أما أن يبدع عمل صالح أو أن يقال إنه لم يثبت قيام أحد من السلف بذلك، أو لم يرد في السنة، أو يبدع فاعله فذلك كله ينفيه الحديث وكلام العلماء المعتمد على النص والفقه له.
قال كاتب هذه السطور: قبل سنوات كان الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في المدينة المنورة فدعوناه مع نفر من الصحاب أن يذهب معنا للصلاة في مسجد قباء فاعتذر بأنه يريد أن يصلي أربعين صلاة متتابعة في المسجد النبوي ليبرأ من النار والنفاق وينجو من العذاب.
40 صلاة في المسجد النبوي .. استمرار جدل الفقهاء
16 ديسمبر 2009 - 21:26
|
آخر تحديث 16 ديسمبر 2009 - 21:26
40 صلاة في المسجد النبوي .. استمرار جدل الفقهاء
تابع قناة عكاظ على الواتساب
د. عائض الردادي
