هل يمكن الاقرار بأن دية المرأة نصف دية الرجل كما هو عند عدد من الفقهاء، قياسا على حظها من الارث؟
كانت هذه المسألة واحدة من المسائل المسكوت عنها، الى ما قبل 15 عاما فقط حين صرح الشيخ محمد الغزالي عن رأيه فيها وان الصحيح الذي تسنده الادلة والقرائن هو ان دية المرأة كدية الرجل لا تنقص عنها هللة واحدة.
لم يرد في القرآن الكريم بشأن الدية سوى اية واحدة هي: «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً الا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة الى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً».
دليل التخصيص
ووفقا للباحثة فاطمة حرازي: «الملاحظ أنه لا يوجد ما يشير إلى أي تنصيف للدية، فالآية جعلت الدية مطلقة وليست خاصة برجل أو امرأة، كما أن كلمة الدية في الآية الكريمة غير مقيدة بأي قيد ولا تختص بجنس معين من الرجال أو النساء ولم يظهر أي حديث صحيح يدل على تنصيف دية المرأة إلا بعد القرن الرابع الهجري حين أورد الإمام البيهقي على هذا الحديث بالقول أنه لا يثبت مثله أي أنه حديث ضعيف».
ويقول المحامي عبدالله محمد جميل في بحثه (المرأة كالرجل في الدية) أنه: «وفقاً لكتاب الله وسنة رسوله فإن المرأة تساوي الرجل في الديه، فدية المرأة في العمد وفي الخطأ في النفس وما دون النفس كدية الرجل سواء بسواء كالقصاص (القود) ولما كانت المرأة تقاد بالرجل كما هو ثابت بالكتاب والسنة دون قيد أو شرط ومجمع عليه في كل مذاهب الفقه ما عدا الهادويه الذين قيدوا ذلك بشرط توفية نصف الدية من أهل المرأة القتيلة، وعليه ولما كان الأصل أن المرأة تساوي الرجل في القصاص فمن باب أولى أن تساوي المرأة والرجل في الدية أيضاً ..
وأن أطراف المرأة كأطراف الرجل يجري فيها القصاص فإذا قطع الرجل يد المرأة عمداً قطعت يده قصاصاً، وإذا كسر سناً لها كسرت السن التي تقابلها في فمه قصاصاً، وهكذا وهذا رأي جمهور الفقهاء وهو الرأي الراجح والأولى بالتطبيق والاتباع..».
محل اجتهاد
وبحسب الشيخ القرضاوي فان الدية: «مسألة محل اجتهاد، وليست من الثوابت ولا من القطعيات؛ لذلك ليس هناك مانع من إعادة النظر فيما ذهب إليه الفقهاء بشأنها»، لافتا الى انه: «بالنظر إلى القرآن الكريم لا نجد دليلا يساند رأي القائلين بالتنصيف وعبارة القرآن الكريم في الدية عامة مطلقة لم تخص الرجل بشيء منها عن المرأة». ويوضح ان اية الدية تشير إلى أنه: «لا فرق في وجوب الدية بالقتل الخطأ بين الذكر والأنثى، فمن المعلوم عند أهل اللغة أن النكرة في سياق الشرط تعم، فالجملة (الآية) شرطية ومؤمنا نكرة تشمل المرأة والرجل فتقتضي العموم».
كما رأى القرضاوي أن مسألة الدية «ليس فيها حديث متفق على صحته ولا إجماع مستيقن وإذا لم يصح حديث في هذه القضية يحتج به فكذلك لم يثبت فيها إجماع...
بل ذهب ابن علية والأصم- من فقهاء السلف- إلى التسوية بين الرجل والمرأة في الدية وهو الذي يتفق مع عموم النصوص القرآنية والنبوية وإطلاقها»، معتبرا أن استخدام القياس على الميراث في مسألة الدية «لا يعتد به فهنالك حالات كثيرة (في الميراث) تأخذ فيها المرأة نفس النصيب الذي يأخذه الرجل».
اعتبار المصلحة
وفند الشيخ القرضاوي حجة مراعاة المصلحة الذي يستند إليها القائلون بالتنصيف باعتبار أن فقد الرجل باعتباره العائل ليس مثل فقد المرأة، وقال:
«هذا الأمر ليس له اعتبار في الشريعة بدليل أن دية الطفل الصغير مثل الكبير والفراش مثل البروفوسير»، مدعما رأيه بما ذهب إليه عدد من علماء العصر كالشيخ محمد رشيد رضا والشيخ محمود شلتوت في كتابه «الإسلام عقيدة وشريعة»، والشيخ أبو زهرة في كتابه «العقوبة»، والشيخ محمد الغزالي رحمه الله.
أما الشيخ محمد الغزالي رحمه الله فذهب إلى القول:
«وأهل الحديث يجعلون دية المرأة على النصف من دية الرجل وهذه سواة فكرية وخلقية رفضها الفقهاء، والمحققون، فالدية في القرآن واحدة للرجل والمرأة، والزعم بأن دم المرأة أرخص وحقها أهون زعم كاذب مخالف لظاهر الكتاب، وأن الرجل يقتل بالمرأة كما تقتل المرأة بالرجل، فدم المرأة ودم الرجل سواء فما الذي يجعل دية المرأة دون دية الرجل».
القياس على الميراث
ويخلص الباحث محمد يحيى عزان إلى القول: «ظاهر القرآن والسنة يرجح القول بتسوية دية المرأة بالرجل، حسب النص الظاهر في القرآن في حين أن لا نص ولا ظاهر يؤيد القول بالتنصيف، أما الذين استدلوا بالقياس على التنصيف في الدية استندوا الى القياس على الميراث فهو قياس بعيد نظراً لاختلاف الموضوع وعدم التشابه، والقائلون بالمساواة استظهروا بالقياس على القصاص لأن الذي يقتل المرأة يقتل بها قصاصاً سواء كان رجلاً أو امرأة، والقياس على هذا الأصل أولى لاشتراك في الموضوع الذي هو عقوبة الجناية، وأن ما روي عن الصحابة من القول بتنصيف دية المرأة والعمل به فأكثر ذلك لم يصح وما صح ففيه ما فيه، أن ذلك الصحابي مارس ما يجوز له من اجتهاد في المسألة واستنباط للحكم، لا سيما وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد اعتادوا التصريح بنسبة ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر من قضى منهم بالتنصيف في هذه المسألة أنه اعتمد لذلك نصاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم».
الرأي الاخر
في المقابل اتخذ جانب آخر من العلماء رأيا مخالفا حيث رفضوا مساواة الرجل والمرأة في مسألة الدية.
فالشيخ صالح بن جاسم المهندي واحد من أصحاب هذا الرأي الذي ذكر أن «دية المرأة على النصف من دية الرجل محل اتفاق بين المذاهب الأربعة فهل نستطيع القول بأن المذاهب الأربعة متحيّزة.. وجرى العمل بهذا منذ سنين طويلة وهو الذي تأخذ به محاكم قطر الآن. فكيف يمكن أن نخطئ هؤلاء الفقهاء السابقين».
ورأى أن مسألة الدية يجب ألا ينظر إليها «من دليل واحد فقط بل ينظر من خلال مجموع الأدلة والنصوص» واستدل بقوله تعالى «وليس الذكر كالأنثى».
وأضاف أن «النظر إلى هذا الموضوع لا يستقيم إلا بالنظر إلى الأعباء المالية المكلف بها الرجل وتلك التي أعفيت منها المرأة؛ فالرجل هو الذي يدفع المهر وهو الذي يعول الأسرة.. ولا ينظر للموضوع من زاوية الكرامة الإنسانية، فالمرأة مكرمة أما وأختا وزوجة...».
ورد على من ضعف الأحاديث التي استند عليها جمهور الفقهاء في تنصيف الدية بقوله إن «هذا التضعيف غير مسلم به».
العلماء: لا دليل شرعيا للتفرقة بين الجنسين
دية المرأة ليست نصف دية الرجل
5 يوليو 2006 - 19:54
|
آخر تحديث 5 يوليو 2006 - 19:54
تابع قناة عكاظ على الواتساب
عكاظ (القاهرة)