قهوة الصباح من أروع الكماليات البسيطة في حياتنا... تتميز عندما تكون سوداء كالليل، حارة كأيام أغسطس في الربع الخالي، ومشبعة بالحلاوة وكأنها شيرة... وحيث أن قدرات الكثيرين منا على استيعاب السكر قد انخفضت بشكل ملموس، فنضيف أحيانا بعض المواد العجيبة مثل «الدايكلورو داي ديأوكسي بيتا فركتو فيرانوسيل كلورو ديأوكسي ألفا جالاكتو بيرانوسايد» لتحليتها... وهي عبارة عن إحدى المواد المتوفرة في أسواقنا بكثرة لتحلية مأكولاتنا ومشروباتنا بدون إضافة السكر ... نشتريها بأسماء تجارية مثل السكارين ... والأسبارتيم ... والسكرولوز، وكلها تفوق حلاوتها حلاوة السكر بمئات المرات ... يعنى «شيرة» الشيرة ... ونستعمل هذه المنتجات بكميات كبيرة حول العالم لدرجة أن السنة الماضية تم إنتاج وطرح أكثر من ألفي منتج غذائي جديد يحتوى عليها بشكل أو آخر... والسر يكمن في رغبة البشر في الحصول على هدفين متضادين: أولا الاستمتاع بالحلاوة من جانب، وثانيا تقليص استهلاك كميات السكر من جانب آخر... وتتنافس شركات عملاقة في العالم بصرف بلايين الريالات على الأبحاث والتسويق كل عام لتحسين خصائص مواد التحلية لتنافس السكر الطبيعي ... ولكن السكر كمادة طبيعية لها العديد من الجوانب المهمة الأخرى فقد اكتشف العلماء عائلات دوائية جديدة قوامها السكر وديناميكية تفاعلاته العجيبة ... وتحديدا فقد تم اكتشاف آليات جديدة لتفاعل السكريات مع آلاف البروتينات والدهون على أسطح الخلايا ... وسبحان الله أن التعاملات على الأسطح هي إحدى أسرار العقاقير ... وهذه من أهم الاكتشافات في عالم الدواء نظرا لأن العديد من الأمراض يكمن علاجها بمشيئة الله على تلك الأسطح...وتحديدا فهناك ما يهدد صحتنا بشكل خطير من خلال قراءات خاطئة أو «لخبطة» أو «لعبكة» أو «سوء فهم» للتفاعلات على أسطح الخلايا بداخلنا ... وتولد هذه الأخطاء الأمراض الخطيرة مثل بعض أنواع السرطان، وأمراض الأعصاب، وأمراض جنون البقر، وحتى بعض الالتهابات ... وعلى صعيد آخر فهناك الجراثيم التي تعشق «الشعبطة» على جزئيات السكر بداخل أجسامنا، ومنها على سبيل المثال بكتريا «الهليوباكتر بايلوراي» المسببة لقرحة المعدة ... وإحدى أهم الأدوية اليوم في منظومة كيمياء السكريات اسمها «تاميفلو» Tamiflu وتستخدم لمكافحة انفلونزا الخنازير.
أمنيـــــة
كل قطعة سكر وراءها تاريخ عجيب، فلو نظرنا إلى التركيبة الرقية في الأمريكتين سنجد أن تاريخ العبودية له أحد أهم الأدوار فيها ... سنجد أن التيار الأساس للهجرة الجبرية من غرب أفريقيا إلى أمريكا منذ القرن السادس عشر كانت بسبب الحاجة إلى العمالة الرخيصة لزراعة قصب السكر ... كلها طبعا بتكاليف زهيدة وشروط عمل قاسية جدا لدرجة أن تاريخ الأمريكتين ملطخ بقصص ملايين الضحايا بسبب ظروف العمل ... «الشيرة» في عالمنا كانت ولا تزال أسعارها منخفضة، ولكن تكاليفها الحقيقية الإنسانية كانت مرتفعة ونرى آثارها إلى يومنا... أتمنى أن تتأمل في كل هذا عندما تستمتع بجرعة الحلاوة سواء كانت في فنجان قهوة، أو قطعة لبنية، أو بعض من المعصوب أو أي من نعم الله علينا، وهو من وراء القصد.
أخبار ذات صلة