تجرأ كثيرون على الذوق العام بترديد «الملافظ» غير المؤدبة، التي تخطت حدود الجرأة في الأغنية العربية إلى «الكلمات الجنسية الفاضحة» بتركيبها على اللحن المشهور لأي من الأغنيات العربية، وهي العادة أو الموضة التي انطلقت في سبعينيات القرن الماضي.
واشتهر على مستوى العالم العربي كثيرون ممن طرقوا باب الغناء بالكلمات والنصوص المسفهة والخارجة عن نطاق الذوق العام، بل وأحيانا بمفردات قميئة لا يتخيل ورودها في نصوص غنائية يتداولها الناس حتى لو في نطاق محدود «الكاسيت مثلا» وليس من خلال وسائل الإعلام العامة، حيث أصبح المشهد الثقافي العربي يعج بأغاني الحشرات والخضراوات التي تبثها الفضائيات ليل نهار لتغرس ثقافة هابطة في نفوس النشء.


وسبق لكاتبة «عكاظ» جهير المساعد تناول ظاهرة الأغاني الهابطة تحت عنوان (مغنون يحتاجون لجنة تأديبية) وذلك في عدد «عكاظ» رقم 15636 الصادر في 25/6/1430، وهي الكلمة التي انتقدت فيها توجه نصوص بعض أغنيات مطربات الخليج وأغنيات بعينها مثل (روح والله لوريك) و (روح انقلع) وأغنية عن تنتيف الريش، والمغنيات العربيات اللاتي بدأن هذا النمط كانت المصرية مها عبد الوهاب وهي نكرة في غير ذلك إذ لم تعرف إلا في الغناء الجنسي.
أيضا من الذين اشتهروا بتقديم أغنيات بـ «كلمات خارجة» عن القانون كان الراحل طاهر كتلوج من مكة المكرمة الذي كان موهوبا فنيا بشكل كبير في تلحين أغنياته أو توليف نصوص على ألحان معروفة وهو ما فعله بكلمات ونصوص نابية على أشهر الأغنيات يومها مثل «سويعات الأصيل» لطلال مداح و «ترحب بغيري» لمحمد عبده وغيرها الكثير وذلك بالطبع قبل توبته ورحيله رحمه الله، إلى جانب ما له من أغنيات مسفة جدا في نصوصها وهي أدب «الغلمانيات» في نصوص شعبية مثل أغنيته الذائعة «يوم الثلوث.. والجو فيه غيم.. قلت له اتاوت ازيور نيم».
كذلك كان طاهر الاحسائي وعيسى الاحسائي في الجانب الآخر من البلاد «المنطقة الشرقية» والمعروف بـ «الحساوي» والذي كانت أغنياته نابية الملافظ والصور بشكل كبير واشتهرت له الكثير من الأغنيات منها «يا بنات المدارس ليتني عندكم حارس» و «آه يا ويلاه يوم هب الهوى .. بانت السيقان والقلب انكوى.. صرت عقب الشوق في حال غريب».. حتى أن أغنيات كتلوج والحساوي كانت تمثل أدبا اجتماعيا سائدا خرج منه فن هذين الفنانين.
ومن الفنانين الذين كانوا أكثر جرأة فيما يمكن أن يذاع من نصوص في الأغنيات ـ جرأة وليس خروجا نابيا ـ كان الراحل طلال مداح الذي كسر المحظور في كثير من فترات مشواره مع الموسيقى والفن، وذلك بأغنيات مثل «حبك سباني» التي تقرر سجنه أو تحديد إقامته في منزله بعدها في منزله بجوار مدينة الحجاج بجدة ، "وكان مسؤولا عن عدم كسره هذا الاحتجاز عمدة حي اليمن الراحل علي عبد الصمد رحمه الله .
كذلك كانت الجرأة بادية في كثير من أغنياته ربما كان من أشهرها وأكثرها وقعا أغنية (لاح في البيداء مرقم) والتي فيها يقول:
قلت ما اسمك يا غزالة
ارحمي عاشق متيم
ازورت نحوي وقالت
يا فتى عني تحشم
أيضا أغنيته (ظبي اليمن) والتي فيها جاءت الكثير من الصور غير المألوف غناؤها.. على الأقل مجتمعيا في ذلك الوقت.
وطلال مداح رحمه الله تحديدا كان أكثر من ركب موجة «الجرأة» في التعامل مع النصوص التي كسرت حاجز الممنوع وذلك منذ عهد الاسطوانات البلاستيكية، كما لحن طلال العديد من الأغنيات التي حملت مفردات كان من الصعب تمريرها في أغنية (حبحب على السكين).
أغاني الخضار والفاكهة
ومع انتشار الفضائيات وتوظيف المطربين في الأفلام السينمائية بداية من فيلم «اسماعيلية رايح جاي» وحتى اليوم اتسعت رقعة الأغاني المعتمدة على كلمات شعبية وغريبة، والمفعمة بالايحاءات الجنسية والسوقية ودنيا المساطيل، كما انتشرت أغاني الخضار والفاكهة.
فقد جاء مؤلف أغاني هذه الحقبة عنتر هلال ليقدم أغنية «كامننا» التي اشتهرت في فيلم «اسماعيلية رايح جاي» وغناها المطرب محمد فؤاد لتحقق نجاحا كبيرا في الفيلم وتسببت في تحقيقه أعلى الايرادات، رغم غرابة ما حوته هذه الأغنية من ألفاظ غريبة، فلا أحد يعرف معنى كامننا، ولا «كاتش كادر في الألولو» منذ ظهورها وحتى اليوم، ولا أظن حتى أن مؤلفها يفهم معناها!.
وواصل المؤلف نفسه عنتر هلال تقديم النموذج الغريب لكلمات الأغاني بأغنيته للأطفال «بابا اوبح» التي حققت هي الأخرى أعلى المبيعات في سوق الكاسيت عند ظهورها، وهو ما دفع النقاد إلى اتهامه بالمسؤولية عن تردي الأغنية.
ودافع عنتر هلال عن نفسه بقوله: أنا أحد الذين أعادوا الفلكلور إلى الأغنية المصرية بدلا من استيراد أغان من بلدان أخرى وعلى سبيل المثال أغنية «ليه الحبيب» و«أماية» لديانا حداد وغيرهما الكثير. أما أغنية «كامننا» فهي أغنية تليق بدراما فيلم سينمائي استدعى الموقف وقتها تلك اللغة.. كما كتبت بابا اوبح بعد أن التقطتها من لسان طفلتي. وتساءل ثم أين تلك الأغاني من تاريخ طويل من أغنيات عارية فجة كانت تصنع في الماضي وتردد في «علب الليل» على لسان مطربات ومطربين ما زال ما فعلوه مسجلا على اسطوانات متاحة لمن يهمه الأمر - ابحثوا مثلا في تاريخ منيرة المهدية ومحمد عثمان وحتى سيد درويش نفسه، وأعيد إحياء بعض هذه الأغاني بعد نكسة 67 أمثال «الطشت قالي» و «بلاش اللي» عمله عدوية فينا في تلك الفترة والآن «شعبان عبد الرحيم» استلم الراية هو وسعد الصغير والعمدة وبعرور ومن على شاكلتهم "سايبين دول كلهم وجايين لي أنا ؟ ".
وقد تواصل المد للأغنية الهابطة «التي أخذت في أيامنا أكثر من مصطلح جديد وهو «أغاني بيئة» أو «أغاني شعبية» ورغم ذلك فان كل الطبقات الشعبية والراقية على حد سواء تقبل عليها وتحظى بجماهيرية على لسان الشباب خاصة، وباتت تتصدر قائمة «اخر حاجة» لمفرداتها وكلماتها الغريبة، ومن أشهر هذه الأغنيات «كعبو كعبو» و «العبد والشيطان» و «خش عليه» وأغنية «مرايتي» و «الست» لعبد الباسط حمودة.
وفي هذه الموجة للأغنية البيئة ظهرت ما يمكن تسميته «بموجة» أو «هوجة» الغناء للفاكهة والخضار سيطرت على الساحة الوسط الفنية لفترة طويلة، بدأها سعد الصغير بأغنيته الشهيرة «العنب العنب» وأخرى حملت نفس الاسم لـ «بعرور»، لتشتعل بينهما الحرب حيث بات كل منهما يدعي أنه صاحب الملكية الفكرية لـ «العنب» والأحق والأولى بغنائها، ولم يكتف سعد الصغير بالغناء للعنب فقط بل قدم أغنية أخرى لـ «الطماطم» بعنوان «حمرا يا قوطة»، كما غنى ريكو للخوخ، وشارك أيضا الفنان أحمد آدم في هذه المسيرة، ولكنه غنى للخيار في محاولة منه للسخرية من مطربي الفاكهة، وكل هذه الأغنيات تم استخدامها في دعاية الأفلام.
أغنية الأنابيب
ولعله مما كرس لهذه الظاهرة، وهو التقاط السينما لمطربيها مثل سعد الصغير والذي غنى للعنب والحمار، وريكو الذي غنى لشبرا قام بالتمثيل في فيلم (حاحة وتفاحة) مع الممثلة ياسمين عبد العزيز، وآخر أغانيه الشعبية والتي كسرت الدنيا باللهجة المصرية هي أغنيته (أنابيب) وتعني كلمة أنابيب (أنبوبة الغاز) وهي تستخدم للبوتجاز (الغاز ) وتسمى في الأحياء الشعبية (بمبة) وعصام كريكا وأغنيته شنكوتي. وكلماتها التي كانت في غاية الغرابة مثل أغنية:
آهه آهه أنا عمري ما كنت بق
ولو جاية معاك بالعكس أمرك وأديها كلاكس.
وكذلك أغنية: يا وابور ما تولع، وتقول كلماتها
يا وابور ما تولع حط الفحم
سلكتك ولع .. حط الفحم
عمرتك ولع حط الفحم
حلفتك ولع .. حط الفحم
ولع ولع ولع
ولبعرور أغنية أخرى عن حي «روكسي» و «بولاق» تقول كلماتها:
روكسي اتخانق ويا بولاق
قاله يا بلدي يا حي فقير
ياللي مصاحب الوراق
أما أنا صاحبي يبقي سفير
رد بولاق قال بس يا فافي
كنت زمان طول عمرك حافي
رد روكسي وقاله ياي ياه
راح أوريك وحياة باباه
وأخليك يا بولاق تندم
رد بولاق أتأدب ياه
أحلى طبقة وأحلى صوت
امينة في كباريه
أما في فيلم «كباريه»،
كما اشتهرت المطربة أمينة بأغنية الحنطور من كلمات ملاك عادل وألحان محمد عبد المنعم وتقول:
ياد أنت بصة أو حتى نص
دوبت قلبي طب حتى بص
حاركب الحنطور واتحنطر
وكذلك في فيلم «على جنب يا سطى»، بطولة أشرف عبد الباقي، ولهذا الفيلم أغنية بصوت «حكيم» وهي من كلمات «إسلام خليل» – مؤلف أغاني شعبان عبد الرحيم الذي أصبح ظاهرة في حد ذاته - وتبدأ كلمات الأغنية بـ:
على جنب يا سطى
واحدة واحدة في الريلاكس
على جنب يا سطى
ياللي سايق أحلى تاكس
بيب بيب بييب بييب..
ده أسطى فايق وتملي رايق
بيلف مصر شمال ويمين
واللي يشاور له بيجي رايق مايهموش أي كمين
بيب بيب بييب بييب
أما أغاني السطل ودنيا المدمنين، فتجد هي الأخرى رواجا كبيرا ومنها أغنية «فكك» التي قدمها محمود الحسيني وحققت أعلى المبيعات في مصر، وتقول كلماتها:
انا عايز سيجارة بني
حاسس دماغي بتكلني
شايف اللي ورايا قدامي
والكلام على طرف لساني
ماشي عمال اسقط
والغسيل عمال بينقط
يا عم ولع
ياسيدي ولع ولع ولع ولع
جو جو جو جو .فكك. فكك.. فكك
كليب محظور
والنموذج الصارخ للأغنية الغرائزية فيتمثل فيما قدمته اللبنانية رولا سعد في كليب بعنوان: «بسبستللو» وهي الأغنية التي منعت من التداول في أسواق المملكة بسبب كلمة «بوسة» التي تكررت في مقطع الأغنية التي تقول كلماتها «حتى أبوسه لما بيزعل.. بوسة.. اثنين.. ثلاثة ومية».. وإذاعة نجوم FM في مصر اعترضت هي الأخرى على كلماتها.
وفي تحليله لتردي الأغاني وذيوع موجة الأغاني الهابطة والجنسية يقول الشاعر بهاء الدين محمد، إن السينما هي السبب في الوصول بهذه الأغنيات لهذا المستوى، مؤكدا أن ضعف السيناريوهات صاحبه ضعف في مستوى كلمات الأغنية لأنها تناقش موضوع الفيلم، ونظرا للدعاية المكثفة للأفلام تنتشر هذه الأغنيات على الفضائيات مما يساهم في انتشارها بصورة واسعة.