كلما اقترب فصل الخريف، انجرف العالم أكثر نحو موجة شرسة من وباء إنفلونزا الخنازير، هكذا تتوقع منظمة الصحة العالمية واستعدت دول المنطقة والعالم لها. وبعيدا عن العواقب الصحية المصاحبة لهذا الوباء، التي تعيد للأذهان مقتل الآلاف من البشر في أول ظهور عالمي لإنفلونزا الخنازير سنة 1918، تواصل الأوساط الدينية والعلمية تشريحها للمشكلة في محاولة لكشف أسبابها وتفادي عواقبها.
وفي سطور هذا الموضوع، نرصد مساحة الاتفاق والاختلاف بشأن تناول لحوم وشحوم وشعر الخنازير وموقف أهل الكتاب عامة منها، وما هي نظرة العلم لعواقب التعامل مع هذا الحيوان الذي لا يغار على أنثاه؟.
من جانبهم يرى المسلمون في هذه الكارثة الصحية، آية من آيات الله تعالى في تحقيق حكمته من تحريم تناول لحم الخنزير، وأن عدم طاعة الله فيما أحله وفيما حرمه تجر على البشرية الويلات من أشكال العقاب، خاصة أن الخنزير حيوان دنيء النفس، قذر يأكل النجس والطاهر، ويأكل الغائط والميتة من الحيوان بعد فسادها. كما أنه يعد الحيوان الوحيد الذي لا يغار على أنثاه، وقد أثبت العلم التجريبي الاختباري، أن هذه العادة تنتقل من الخنزير إلى أكلة لحمه، ولذلك كان مثالا للتندر الشعري والسخرية، كما في قول الشاعر:
أرى كل قوم يحفظون حريمهم... وليس لأصحاب الخنزير حريم
جرثومة لا تموت
اختص العلم الحديث الخنزير من بين جميع الحيوانات بجرثومة قاتلة، لا تموت وإن أحرقت بنار عادية، بل تحتاج إلى نسبة مئوية عالية من الحرارة ليبطل مفعولها في الجسد. واكتشف العلماء المحدثون أن الخنزير مرتع خصب لأكثر من 450 مرضا وبائيا، وهو يقوم بدور الوسيط لنقل 57 منها إلى الإنسان. ويعزز هذا الرأي ما ذهب إليه الدكتور محمد كمال عبد العزيز في مؤلفه (لماذا حرم الله هذه الأشياء) من أن لحم الخنزير يحتوي على دودة شديدة الخطورة، وهي: (الدودة الشريطية) التي تعيش في فضلات الخنزير على هيئة أكياس، وإذا أكلها الإنسان قد تسبب العديد من الأمراض، أبرزها:
1- انطلاق اليرقة إلى خارج جدار المعدة بعد ثقبه ووصولها إلى الدورة الدموية، وعن طريقها إلى أي جزء من الجسم وأخطرها القلب والمخ.
2 - الأكياس التي تصل إلى العضلات ينشأ عنها آلام روماتزمية شديدة، وقد تكون هذه عضلات اللسان أو الحنجرة، أو عضلات الصدر أو الفكين أو الأذرع أو الأرجل، أو عضلات البطين.
3 - ينشأ عن تناول لحم الخنزير المليء بالدهون حالات مرضية مختلفة، أبرزها: تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم، والذبحة الصدرية، والتهاب المفاصل.
تحريم اليهود والنصارى
وفي الكنيسة المصرية أفتى البابا شنودة الثالث بطريرك الكنيسة، بحظر أكل الخنزير الذي يعد من أشهى الأكلات بالنسبة للعديد من أقباط مصر، مستندا في ذلك إلى العلم الذي أثبت أن الخنزير مؤذ للمعدة ويسبب الاضطرابات، فضلا عن الآلام التي تصيب من يطعمه.
والنصوص التشريعية في التوراة تحرم أكل الخنازير والأرانب ومنها: (وكلم الرب موسى وهارون قائلا لهما كلما بني إسرائيل قائلين هذه هي الحيوانات التي تأكلونها من جميع البهائم التي على الأرض كل ما شق ظلفا وقسمه ظلفين ويجتر من البهائم فإياه تأكلون إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف. والوبر لأنه يجتر، لكنه لا يشق ظلفا فهو نجس لكم، والأرنب لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفا فهو نجس لكم، والخنزير لأنه يشق ظلفا ويقسمه ظلفين، لكنه لا يجتر فهو نجس لكم، من لحمها لا تأكلوا، وجثثها لا تلمسوا إنها نجسة لكم). وتبرز نصوص الكتاب المقدس مصير آكلي لحوم الخنازير، يقول أشعياء في سفره 66: 17:(لأن الرب بالنار يعاقب وبسيفه على كل البشر يكثر قتلى الرب الذين يقدسون ويطهرون أنفسهم في الجنات وراء واحد في الوسط آكلين لحم الخنزير والرجس والجرذ يفنون معا يقول الرب). وهذا النص يتوعد آكلي لحوم الخنازير بالنار، كما يضع لحم الخنازير ولحم الجرذ في مرتبة واحدة.
وبحسب تفسير لجنة من علماء اللاهوت، فإن الكنيسة المسيحية قد اعترفت ضمنيا بنجاسة الخنازير وعدم لمسها وأكلها، حيث يقولون: (كانت الخنازير حيوانات نجسة، بحسب الشريعة في العهد القديم (تثنية 12: 8) وكان كل من يمس حيوانا نجسا يصبح نجسا طقسيا فلا يمكنه الذهاب إلى الهيكل للعبادة إلى أن يتطهر من نجاسته.
موقف حاسم
وتتخذ الشريعة الإسلامية موقفا حاسما في هذه القضية، لتحرم أكل لحوم الخنازير انطلاقا مما ورد بشأنها في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وبذلك اتفق المسلمون على نجاسة الخنزير وحرمة تناول لحمه في كافة كتب الفقه.
في هذا السياق يؤكد الدكتور محمد داوود، رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة قناة السويس وعميد معهد معلمي القرآن، أن الله سبحانه وتعالى حرم الخنازير وأعدها من الخبائث والرجس والنجس، وهذا ثابت في نصوص القرآن الظاهرة، مضيفا أن الخالق العظيم ما كان ليحرم شيئا إلا لصالح الإنسان وحمايته حتى من نفسه، فقد خلق الإنسان بفطرة يعلمها ويعلم مواطن القوة والضعف في طبيعة الجسم البشري ومكوناته، كما يعلم طبائع وخصائص الحيوانات التي خلقها أيضا لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، وفي الغالب قد لا ندرك بعقلنا البشري القاصر الحكمة من التحريم، ولكن في كل الأحوال فإن المسلم لا يجادل في أمر قد حدده الله ورسوله، بل يطع الله ورسوله فيما أمره به ويجتنب ما نهى عنه، موضحا أن العلم الحديث كشف عن بعض مخاطر تناول لحوم الخنازير حتى حدثت الطامة الكبرى بظهور مرض إنفلونزا الخنازير، التي تمثل آية من آيات الله وقدرته على دفع الناس للامتثال إلى أوامره سبحانه وتعالى.
ويستطرد: الخنزير حيوان خبيث قذر يعيش على الأوساخ والقاذورات، فضلا عما كشفه العلم الحديث من حقيقة أن لحم الخنزير يحتوي على نسبة عالية من الكولسترول، الذي يؤدي إلى الإصابة بتصلب الشرايين والجلطات القلبية والدماغية المعروفة، فضلا عن احتواء لحومه على الدودة الشريطية، ووجود بويضاتها في جسم الإنسان، قد تصيبه بالجنون والهستيريا.
أما الدكتور محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة الأسبق، فيؤكد أن الكارثة الصحية التي تعيشها شعوب العالم اليوم بفعل مرض إنفلونزا الخنازير، هي نتاج طبيعي لعدم امتثال الناس لأوامر الله عز وجل فيما حلل من الطعام والطيبات، وفيما حرم تناوله على الإنسان، مشيرا إلى أن القرآن الكريم سبق أن حذر قبل أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، من تناول لحوم الخنازير في عدة آيات مفصلات، فضلا عن تأكيد السنة النبوية على هذا التحريم في نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح، وهو بمكة: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا هو حرام»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه». ويضيف د. رأفت عثمان أن هذا الحديث النبوي الشريف يحمل دلالة قطعية على تحريم الله تعالى أكل الخنازير لأهل الكتاب.
شعر الخنزير
ويرصد الدكتور صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه بجامعة الأزهر موقف جمهور الفقهاء في القديم والحديث من لحوم الخنازير، مرجعا نجاسة الخنزير لأكله الجيف وما في حكمها من النجاسات، فقد حرمت السنة النبوية أكله وذلك مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه). وتحريم لحم الخنزير بهذا النص تحريم قاطع لكافة أجزائه.
واستعرض د. عبد الرءوف آراء جمهور العلماء في هذا السياق، موضحا أن مذهب الإمام أبي حنيفة يرى أن نجاسة الخنزير نجاسة لعينه، إلا أن بعض الأصحاب أجازوا استعمال شعره للخراز للضرورة، لما روي أن رجلا سأل رسول الله عن الخرازة بشعر الخنزير فقال: (لا بأس بذلك). وعند أبي يوسف صاحب أبي حنيفة أن شعره لو وقع في الماء لقليل ينجس، وعند محمد لا ينجس ما لم يغلب على الماء.
وفي مذهب الإمام مالك، أن شعر الخنزير يطهر إذا قص بمقص إلا أنه يستحب غسله للشك في طهارته ونجاسته. وفي مذهب الإمام الشافعي، أن ما مس الكلب والخنزير به الماء من أبدانهما نجسه، وإن لم يكن فيهما قذر. وفي مذهب الإمام أحمد أن الخنزير نجس، وكذا ما تولد منه، وسؤر ذلك وعرقه وكل ما خرج منه لا يختلف المذهب فيه. وفي مذهب الإمام ابن حزم قال أبو محمد: لا يحل أكل شيء من الخنزير، لا لحمه ولا شحمه ولا جلده ولا عصبه ولا غضروفه ولا حشوته ولا مخه ولا عظمه ولا رأسه ولا أطرافه ولا لبنه ولا شعره، الذكر والأنثى والصغير والكبير سواء، ولا يحل الانتفاع بشعره لا في خرز ولا في غيره.. حاشا ما أخرجه النص من الجلد إذا دبغ فحل استعماله.
ويخلص د. عبد الرءوف إلى إجماع الفقهاء على نجاسة الخنزير، وهذه النجاسة تقتضي تحريم كل ما ينتفع به منه؛ وهذا التحريم يتفق مع أمر الله سبحانه وتعالى لعباده بأن يأكلوا من الطيبات، كما قال في محكم كتابه: «يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم».
الخنازير.. سر التحريم يتجاوز النجاسة إلى الهستيريا (1 / 2)
5 يونيو 2009 - 22:51
|
آخر تحديث 5 يونيو 2009 - 22:51
الخنازير.. سر التحريم يتجاوز النجاسة إلى الهستيريا (1 / 2)
تابع قناة عكاظ على الواتساب
هناء البنهاوي ـ القاهرة