الكثير منهم أوفياء يعودون ولو بعد حين لتسديد ما عليهم، وهناك قلة منهم تتهرب ثم تهدد وتتوعد، يشترون بالدين أو بتأجيل الدفع إلى نهاية الشهر.
شهر وراء شهر وربما أعوام، صاحب المحل يضطر إلى التناسي في نهاية المطاف، والمسألة لا تتعلق بالظروف والأحوال، وإنما ترتبط بالمماطلة والامتناع عن الدفع، مبالغ قد تكون بسيطة ومبالغ ربما امتدت لآلاف، إن ركضوا خلف هؤلاء للمطالبة بحقوقهم، يغضب منهم من يغضب ويتنكر لهم من يتنكر.
بعضهم يتفهم أوضاع الناس والبعض الآخر لا يعترض على فتح دفتر اليوميات لكي يسجل ديون الزبائن.
الشراء على الدفتر
محمد أحمد العسيري (46 سنة) بصفته صاحب محل للمواد الغذائية داخل الحي يقول: أغلب من أتعامل معهم هم من الجيران، ويصعب جدا أن أراد أحدهم، عندما يشتري مني أغراضا ثم يطلب أن أسجلها على الدفتر، يصعب علي أن أرفض فهؤلاء جيراني، وأعرف ظروفهم، فهم أغنياء في أول الشهر وفقراء مع بداية منتصف الشهر، وبالرغم أن هناك الكثير ممن يتهرب عن التسديد، إلا أن المتخلفين يعدون على أصابع اليد.
هناك ثلاثة منهم فقط صار لهم الآن ستة أشهر ولم يسددوا، وأحدهم وصل حسابه إلى ثلاثة آلاف ريال، لكنني أصبر عليهم، وهناك من ينتقلون من السكن على أساس أنهم سيعودون، ويدفعون ما عليهم من حقوق إلا أنهم يذهبون ولا يعودون، فقط أذكر أحدهم بالفعل كان وفيا فقد أتى في نهاية الشهر بالرغم أنه انتقل إلى الطائف ودفع كامل المستحقات.
فالناس يختلفون، وبصراحة لا أمتنع عن التعامل مع أي جار أو أي ساكن في الحي بالدين أو الدفع المؤجل.
ولا يتردد وليد خالد المصري عن القول:
البيع بالدين أو بالمؤجل ينحصر فقط في زبائن البقالة الذين يقطنون الحي، وبعدد محدود والسبب أن كثيرا ممن يحتفظ بأسمائهم في دفتر الديون لم يعرجوا على البقالة كعادتهم للتسديد، والمشكلة كما يقول إن المبالغ التي على بعضهم تكون بسيطة جدا ولعل سبب ذلك النسيان، تماما كما يحدث من آخرين.
لكن سراج سعد يختلف في حديثه بقوله: هل ترى هذه العبارة، لقد كتبتها نتيجة للمعاناة مع هذه الديون وسوف أذكر لك واحدا من هذه المواقف:
هناك شخص كان يتردد على البقالة، وفتحت له صفحة في الدفتر يأخذ ما يريد في كل يوم، ثم فجأة لم يعد عندما سألت عنه عرفت أنه سافر إلى بلاده بخروج نهائي، من المؤكد أن هذه خسارة دفعتها من جيبي الخاص لهذا امتنعت نهائيا عن البيع بالدين.
وفي لوحة كبيرة علقها ماجد علي عبد الرحمن كتب فيها «الديون حرمتنا رؤية الكثيرين فمنعناها حفاظا على الباقين».
عبارة مهذبة يعتقد ماجد أنها كانت إفرازا لحجم الخسائر التي يتكبدها كصاحب محل (بنشر) ويقول: هذه مشكلة تكاد تكون يومية أتعبتنا وأحرجتنا كثيرا مع الناس وهي حقوق، هناك من يتساهل في تسديدها، أحاول قدر المستطاع التوقف عنها، ولهذا كتبت تلك العبارة.
طرقت بابه فهددني
عبد القيوم صالح نشار (51 سنة) قال: أفتتحت هذا المحل قبل أربع سنوات وبحكم أن المحل قريب من سبع عمارات كان أغلب السكان في هذه العمائر يعتمدون في شراء لوازمهم على محلي، وكنت أوصل هذه الأغراض إلى بيوتهم وبالدين، لدي دفتر يوجد فيه ما يقارب من 47 شخصا ممن بعتهم أغراضا من المحل، ولم يسددوا ومضى على هذا الدين أربع سنوات تقريبا، لا آمل في عودتهم للسداد، وخصوصا أن الكثير منهم قد رحل من السكن هنا، ولقد التقيت قبل مدة بأحدهم ممن بلغ حسابه 1851 ريالا، وطلبت منه هذه الحقوق بعد صلاة الجمعة، فصرخ في وجهي وحقرني تحقيرا مؤلما أمام الناس، وهددني إن طلبت منه ذلك مرة أخرى بأن يهشم رأسي، بل وأنكر أي دين في ذمته.
تركته لضميره ولا وقت لدي لتقديم شكوى ضده، وهناك شخص آخر لا يختلف موقفه فقد عرفت موقع سكنه الجديد بالصدفة، وذهبت أكثر من ست مرات وطرقت باب بيته إلا أنهم في كل مرة يقولون لي «غير موجود»، وبالصدفة التقيت بجار له، سألني عن كثرة ترددي على باب ذلك الشخص فأبلغته بالموضوع، لم يمض أكثر من أربع ساعات جاء إلى المحل، ويهدد ويتوعد ويحذرني من المجيء إليه في سكنه الجديد، وقال لي «طالما أنك تصرفت بهذه الصورة فلن تحصل على قرش واحد»، وكان المبلغ المطلوب منه 2321 ريالا.
لكن هناك أناسا حالما يستلم الراتب يبادر لتسديد ماعليه مهما كان المبلغ، ولعل شخصا كان يسكن هنا أكثر منذ ست سنوات، ثم انتقل إلى أبها وبقي حوالى عام ونصف، في إجازة العام الماضي حضر لي وطلب مني أن أسامحه على التأخير وقام بتسديد 4314 ريالا، كما هو مدون عندي في الدفتر بالرغم أنني يئست تماما من تحصيلي لهذا المبلغ.
فاق ليبلغهم عن الدين
بكر محمد أدماوي (48 سنة) قال: هناك زبائن كثيرون تعودوا منذ سنوات على التعامل معي، وصار بيني وبينهم ثقة كبيرة بحيث يأتي أحدهم ولا يحمل أي نقود وخصوصا في تاريخ عشرين من كل شهر، وطلبه تأجيل الحساب إلى آخر الشهر فلا أمانع، لكن واحدا من هؤلاء الذين لا ضمير لهم ظل يتناول الطعام لأكثر من نصف شهر وبلغ ما عليه 530 ريالا، ومع ذلك كان في كل مرة يطلب مني الصبر حتى آخر الشهر ثم الذي يليه، وعندها رفضت إعطاءه أي طلب غضب، ووصل به الأمر إلى أنه ضرب أحد العمال عندما أبلغه أنني رفضت إعطاءه أي طلب، عندها حاولت أن أسأل عن مكان عمله، فذهبت إليه لمعرفة أسباب التصرف الذي بدر منه تجاه العامل، فوجئت به وحالما وقع نظره علي طلب من حارس الأمن ألا يسمح لي بالدخول، وأن يطردني، وظل يردد: أذهب «ما لك شيء عندي»، عندها رفضت التراجع حتى تمكنت من الدخول على مدير عمله وأبلغته بكل ما عندي، وحينما أحضره صرخ وكرر بأنني «حرامي و كذاب» عندها طلب منه المدير المغادرة، وأفهمني أنه يعلم بأنه هو الكذاب وأن هناك غيري من جاء يطالبه فصاحب العمارة التي يسكن فيها لم يدفع إيجارها وقدم فيه شكوى بعدما يأس وعندها قام هذا المدير، بإخراج المبلغ الذي يدين به الرجل لي وقدمه لي فرفضته وقلت له:
لم يكن المبلغ يهمني لو اعتذر لي وأفهمني ظروفه، وأنا لم آت من أجل المبلغ، وإنما بسبب تهجمه على العامل فقط أطلب ألا يعود مرة أخرى إلى المحل.
ويضيف أدماوي: وعلى عكس هذا الرجل كان هناك زبون في منتهى الخلق كان بين الحين والآخر، وفي الأيام الأخيرة من كل شهر يأتي ويشتري الطعام من المحل على الحساب، وفي كل مرة كان يأتي ويسدد ما عليه، لكن العام الماضي فقدته، مضت أربعة أشهر ولم يأت لا للشراء ولا لتسديد الدين، ثم جاءني بعد هذه المدة شاب سأل عني وقال:
تعبت للوصول إلى محلك، والدي تعرض لذبحة صدرية دخل بعدها في غيبوبة ولازال منوما في المستشفى، ثم استيقظ لمدة ست ساعات فقط وأول ما نطق به هو اسمك وأبلغنا، بأن نسدد المبلغ، طالبا منك السماح، بل وأطلب منك مسامحته لأنه دخل مرة أخرى في غيبوبة لم يفق منها حتى توفي، فقدمت إليك، بينما ذهب به أخوتي لتغسيله حتى «لا يتأخر حقك».
لم يكمل حتى بكيت على هذا الرجل مثلما بكيت على ابني وخرجت من المحل وذهبت معه لأشيع الرجل الطيب.
أراد رهن طفله
عبد القيوم سعيد المحوري (33 عاما) تحدث عن اللوحة التي يعلقها داخل محله كتب عليها (ديناه انبسط، طلبنا زعل، تركناه نسي) قال عنها:
لم نعلق هذه العبارات، إلا بعدما وجدنا المسألة زادت عن حدها، نحن نعمل في محل بنشري والموضوع يتعلق بتغيير زيت السيارة أو تغيير إطارات.
المشكلة هناك من يأتي ويظل صامتا حتى ننجز ما يطلبه ثم نجده يقول بكل بساطة الحساب آخر الشهر، فتضطر لتركه وهذه النوعية كثيرة وطالما كان الأمر يتعلق بتغيير زيت فالموضوع بسيط، لكن عندما يأتي ويطلب تغيير إطارات السيارة الأربعة، فهنا المسألة تصبح مكلفة جدا.
آخرها قبل أسبوعين حضر شخص وطلب تركيب إطارين تالفين لسيارته بأخرى جديدة، وعندما انتهيت من تركيبهما، قال إنه يعمل في المركز الذي يقع بالجوار وأنه سوف يعود بالمبلغ بعد دقائق، لكنه رحل ولم يعد، لكن بالنسبة للأشخاص الذين تقع مساكنهم بجوارنا فهؤلاء في الحقيقة يسددون ما عليهم وإن تأخر بعضهم لكنهم في النهاية يسددون، وأغرب مامر علي شخص حضر وبرفقته طفل صغير وطلب تغيير زيت السيارة وتركيب أربعة كفرات لسيارته، وعندما أنجزت المطلوب ظل يفتش في جيوبه ثم قال:
يبدو أنني غيرت ثوبي ولم أخرج الفلوس من جيب الثوب القديم، انتظرني دقائق أذهب للبيت وأحضر حقك وأجعل هذا الطفل عندك، لريثما أعود!!، يقول عبد القيوم في الحقيقة لم أشك لحظة في الرجل ورفضت أن أبقي الطفل عندي وخصوصا أن الطفل قد أخذ يبكي عندما تظاهر والده بتركه، رفضت وقلت له «عيب» أنت رجل كبير وأنا أثق بك.
غادر الرجل وانتظرت ساعات بل أياما وشهورا والرجل لم يأت بعد!.