ما زال الاختلاف في قضية نقل الأعضاء قائما بين علماء الشرع والأطباء المتخصصين بسبب الاختلاف حول حقيقة الموت، ومتى يصبح الإنسان ميتا، ولا مجال لعودة الحياة إليه، فللعلماء تصوراتهم عن الموت، وهي العلاقات الظاهرة والمعروفة، إلا أنها علامات عند بعض الأطباء تعني أن العضو المطلوب نقله لم يعد صالحا للإفادة منه مرة أخرى، لذا يطالبون بأن يكون موت جذع المخ هو الموت حتى ولو تحركت الأعضاء، ويصبح من حق الأطباء أن يبدأوا في نزع ما يجدونه صالحا من أعضاء ينقلونها إلى المحتاجين.. في حين أن علماء الشريعة كان لهم رأيهم في هذه القضية فإلى التفاصيل.
حقيقة الموت
بداية أوضح الباحث الشرعي وعضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الحاصل على الدكتوراه في رسالة بعنوان (نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي)، الدكتور يوسف بن عبد الله الأحمد حقيقة الموت والوفاة شرعا بأنها مفارقة الروح للبدن، وقال: خروج الروح إنما يعرف بالعلامات الحسية للموت وأنه لا يثبت إلا بعد تحقق العلم اليقيني بالموت؛ فلا يكفي مجرد الشك أو غلبة الظن.
وعن حقيقة الموت الدماغي طبيا قال إنه توقف في وظائف الدماغ توقفا لا رجعة فيه، وقال: اختلف أهل الاختصاص الطبي في تحديد هذا التوقف على رأيين، الرأي الأول أن موت الدماغ هو توقف جميع وظائف الدماغ (المخ، والمخيخ، وجذع الدماغ) توقفا نهائيا لا رجعة فيه، وهذا رأي المدرسة الأمريكية.
أما الرأي الثاني أن موت الدماغ هو توقف وظائف جذع الدماغ فقط توقفا نهائيا لا رجعة فيه، وهذا رأي المدرسة البريطانية.
وأضاف لـ «الدين والحياة»: يتبع هذا الخلاف، خلافات تفصيلية في شروط تشخيص الموت الدماغي وخلافات أخرى لا علاقة لها باختلاف المدرستين في تعريف الموت الدماغي، ومن ذلك اختلافهم في تطبيق مفهوم موت الدماغ في الأطفال، فعدد من مراكز زراعة الأعضاء العالمية تستبعد الأطفال من تطبيق مفهوم موت الدماغ.
وقال الدكتور الأحمد إن القول الراجح في الموت الدماغي أنه ليس نهاية للحياة الإنسانية، بل يعتبر الميت دماغيا من الأحياء؛ فموت الدماغ لا يعني خروج الروح، والأصل بقاء الروح، وأكثر الأطباء الاستشاريين الذين كتبوا الاستبانة العلمية عن الموت الدماغي يرون أن الميت دماغيا لم يصل إلى مرحلة الموت النهائي، وأنه لا تطبق عليه أحكام الموت الشرعية.
ثم إن حال الميت دماغيا بأوصافه المذكورة في مبحث التصور الطبي تدل في ظاهرها على بقاء الحياة؛ فالقلب ينبض، والدورة الدموية تعمل، و عامة أعضاء البدن سوى الدماغ تقوم بوظائفها؛ كالكبد، والكلى، والبنكرياس، والجهاز الهضمي، والنخاع الشوكي وغير ذلك، ولذلك فإنه يتبول، ويتغوط، ويتعرق، وحرارة جسمه ربما تكون مستقرة كحرارة الحي السوي (37 درجة مئوية)، وربما تكون مضطربة، أو منخفضة وهو مع ذلك فإنه قد يصاب بالرعشة، وقد يصاب بخفقان القلب، أو بارتفاع الضغط أو بانخفاضه، وقد يتحرك حركة يسيرة كحركة أطراف اليدين أو القدمين، وقد يتحرك حركة كبيرة كرفع إحدى اليدين، أو إحدى القدمين، أو رفع اليدين مع العاتقين إلى الأعلى، وهي الحركة المسماة بـ «حركة لازارس». وتظهر هذه الحركات غالبا عند رفع المنفسة أو عند الضغط على بعض أعضاء الميت، أو عند فتح صدره وبطنه لاستئصال أعضائه، أو عند قطع الأوعية الكبيرة عند استئصال أعضائه و عند عملية استئصال أعضائه، فإن طبيب التخدير يحقنه بدواء (مشلل أو مرخي العضلات)، ويبقى طبيب التخدير في مكان مراقبة المريض في نبضه، وضغطه وغير ذلك؛ فإذا انخفض ضغطه حقنه بدواء يرفع الضغط؛ فيستجيب بدن الميت دماغيا إلى الحال المطلوبة. فظاهر من هذه حاله أنه من أهل الحياة وهذا القول هو قرار هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وقرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، وما أفتت به لجنة الفتوى في وزارة الأوقاف في الكويت. خلافا للمشهور بين الأطباء والعاملين في مراكز زراعة الأعضاء.
اختلاف العلماء
وبين عضو هيئة التدريس في جامعة أم القرى الدكتور محمد بن سعد العصيمي قائلا: بالنسبة لنقل الأعضاء ممن كان ميتا دماغيا فقد اختلف العلماء ــ رحمهم الله ــ في هذه المسألة على قولين، والسبب في اختلافهم في ذلك هو؛ هل الموت الدماغي يعتبر موتا حقيقيا أو لا، فمن قال إن الميت موتا دماغيا يعتبر ميتا حقيقيا قال بجواز نقل أعضائه على خلاف بين أهل العلم في ضوابط نقل الأعضاء، وليس هذا مكان سرده، والقول الثاني وهو الراجح في نظري ــ والعلم عند الله تعالى ــ وهو القول بعدم جواز نقل الأعضاء من الميت إذا كان مسلما، والسبب في ذلك الدليلان العقلي والنقلي؛ أما الدليل النقلي فقول النبي صلى الله عليه وسلم (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فهذا يدل على أنه ملك الأعضاء وأن جميع الأعضاء تابعة له، ومن المعلوم أن من كان ميتا موتا دماغيا فإن قلبه والحالة تلك يعتبر حيا حياة حقيقية، إلا انه إذا سحبت منه تلك الأجهزة أدى ذلك الى فساده وعطلانه وموته، فإذا كان ملك الأعضاء وهو القلب حيا فلا يجوز لنا أن نتعرض ما يسبب وفاته، لأنه عندئذ يكون من باب الاعتداء على المسلم، وهو ما لا يجوز وخصوصا ما يؤدي الى إزهاق روحه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال «لا يزال المسلم في فسحة من أمره ما لم يصب دما حراما» ولقول الله تعالى «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ» فهذه الأدلة تدل على أنه لا يجوز لنا أن نتعرض لمن مات موتا دماغيا بسحب الأجهزة لتعرض ذلك الجسد إلى التلف بفعل سحب تلك الأجهزة، وهو من الاعتداء على المسلم والاعتداء على المسلم حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا».
أما من حيث الدليل العقلي فقد ثبت لدى الأطباء أن هناك حالات ــ وإن كانت نادرة وقليلة ويسيرة إلا أنها قد وجدت ــ لمن مات موتا دماغيا، ثم بعد ذلك ثبتت حياته واستقرت مما يدل على أن الموت الدماغي ليس موتا حقيقيا، إذ لو كان موتا حقيقيا لما رجعت الروح إليه، ولما عاد إلى الحياة من جديد، فإذا تقرر ذلك علم من حيث الدليل النقلي والعقلي أن من مات موتا دماغيا أنه على قيد الحياة حتى يتعطل عمل القلب، فإذا تعطل عمل القلب بدون اعتداء شخص معين فعند ذلك يكون قد فارق الحياة بالموت الطبيعي، وجاز وتقرر والحالة تلك أنه قد مات موتا حقيقيا.
ثلاث حالات
وأوضح أستاذ الفقه المقارن المشارك في كلية الملك فهد الأمنية والمعهد العالي للقضاء الدكتور عبد السلام بن محمد بن سعد الشويعر، حكم نقل الأعضاء البشرية من شخص لآخر قائلا: إن مسألة نقل الأعضاء لا تخلو من ثلاث حالات؛ أحدها أن تكون هذه الأعضاء من حي لآخر، ويكون العضو المنقول مما يفضي نقله إلى موت الأول أو ارتكاب محرم شرعا، كأن تكون حياته في خطر، أو يجعله عاطلا لا ينفع في حياته كالقلب والرئتين والكليتين معا، فلا شك أن النقل هنا لا يجوز مطلقا، لأن في ذلك إضرارا به وإلقاء لنفسه في التهلكة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لاضرر ولا ضرار» وهذا الأثر من أعظم الضرر، ولاشك أن المنقول إليه ليس بأولى من المنقول منه في حق الحياة في نظر الشارع.
والصورة الثانية؛ أن تكون هذه الأعضاء لا يفضي نقلها إلى الموت أو إلى الحد المحرم شرعا، وذلك كنقل إحدى الكليتين أو جزء من الكبد ونحو ذلك.
والصورة الثالثة؛ أن يكون المنقول منه ميتا أو بمعنى آخر قد مات ميتة دماغية ويئس من حياته، والصورتان الأخيرتان هما محل النظر عند الفقهاء المعاصرين، فبعضهم منع من نقل الأعضاء، والبعض أجازها بشروط، والطرف الثالث توقف عن إبداء رأي في هذه المسألة لتعارض الأدلة عنده، ولكل رأي مستنده الذي اعتمده لتأييد رأيه.
ولكن الرأي الذي ذهب إليه العديد من المجامع العلمية كمجمع الفقه الدولي التابع لمؤتمر العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، ودار الإفتاء المصرية، هو جواز نقل الأعضاء في هاتين الصورتين.