لِم يصمت الناس أحيانا؟ ما الذي يعقل ألسنتهم في بعض الأوقات حتى لا تقوى على النطق؟
ما يقوله بعض علماء النفس إن الإنسان يصمت حين يقع في حالة من الذهول أو المفاجأة أو الإثارة العنيفة للانفعالات النفسية العميقة، فيصاب ذهنه بصدمة توقفه عن القدرة على توليد الكلام المناسب فيعقل لسانه ويقع في الصمت، وهو ما عبر عنه العرب بحالة العي والحصر الذي يصيب بعض الخطباء عند اعتلاء المنبر، أو عند الإفحام الذي يتعرض له البعض أحيانا، أو ما يصيب بعض المحبين عند لقاء الحبيب، من ارتباك وتلعثم يمنعهم الإبانة كقول جميل بثينة: «وإني لينسيني لقاؤك كلما، لقيتك يوما أن أبثك ما بيا»، أو قول أبي فراس الحمداني الذي يعترف بأنه رغم فصاحته يصيبه الحصر في حضرة الحبيبة: «وفي الحي سحبان وعندك باقل»، أو غير ذلك من الشواهد التي تعبر عن إصابة المحبين أحيانا بالعي والحصر في حضور الحبيب.
ولكن لوجه الحق، فإنه ليس الحب وحده الذي يعقل الألسن فيمنعها الكلام، وليس إثارة الانفعالات أو الإصابة بالذهول والمفاجأة هي وحدها ما يلجم الأفواه ويشل الألسن، فالنطق يعز في أوقات أخرى غير تلك، لعل من أبرزها حالة الخوف التي تتلبس البعض فتدفع المصاب بها إلى أن يحكم اللجام على فيه واعيا أو غير واع مرددا مع ابي نواس: «إنما السالم من ألجم فاه بلجام»، ومتعظا بنصح ابن المقفع: «إنما العاقل من يحجم عن الرأي الذي لا يجد عليه موافقا حتى وإن ظن أنه على اليقين». فالصمت هنا سيد الموقف. ثم إن الصمت في أحيان أخرى، قد يكون ملاذا مسالما للدلالة على الرفض متى عز إعلان ذلك، وهو بالتأكيد موقف يتنافى مع القول السائد: (السكوت دلالة الرضا)، فالسكوت لا يعد كذلك إلا متى كانت هناك مساحة واسعة من الحرية للتعبير، أما متى ضاقت تلك المساحة فإن السكوت أقرب إلى أن يكون دلالة صامتة على الرفض. كذلك فإن الصمت يحدث في بعض المواقف بفعل الحياء ليس إلا، والمقصود بالحياء هنا، ما يصيب الإنسان من شعور يحول بينه وبين إحراج الآخر أو جرح مشاعره أو تخطي مقامه العلمي أو الاجتماعي أو العمري، فيقدم الصمت على الخروج عن حدود اللياقة والذوق.
وبالرغم من أن الثقافة العربية تقدس الصمت، وكتبنا المدرسية تحفل بالعبارات التي تزين السكوت وتحث على الابتعاد عن الكلام، مرة بالتقليل من شأن الكلام بعدِّهِ ثرثرة وفضولا وتطفلا وهدرا للوقت، ومرة بتمجيد الصمت ورفعه درجات عليا ليكون صنوا للحكمة والرزانة والتعقل، بالرغم من هذا، إلا أن الواقع يقول إن الصمت يدفع إلى التباعد بين الناس عندما لا يعبرون بوضوح عما في نفوسهم، فيجهل كل منهم ما في نفس الآخر، فينشط الاعتماد على الظن في تفسير المواقف والأحداث، فيكون ذلك سبيلا إلى ازدهار الجهل بالحقائق والركون إلى أوهام قد تكون أحيانا في غاية السوء، والنتيجة هي خلق التباغض وزرع الأحقاد في القلوب.

فاكس 4555382 - 01

للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم
88548 تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة