هنا كانت (مناخة) الجمال، وهنا يأتي أصحابها وهم يحملون بضاعة البادية ويأملون في نقل بعض احتياجاتهم منه. ساعات السوق محدودة والركض يبدأ مبكرا من الصباح وينتهي على مشارف الغروب، حيث يختفي الضجيج، وتغيب النداءات، فالقادمون من البادية يتعجلون البيع والشراء للمغادرة قبل أن يلفهم الظلام ويتوشحهم الليل. ينام السوق مبكرا ولهذا لا حاجة للإنارة، فالدكاكين مغلقة والزبائن كأن لم يكونوا!.
سوق البدو تلك الدكاكين المتجاورة تارة والمتباعدة تارة أخرى، تتقاسم الطين مادة في بنائها، بل تتشاطر الزبون.. ذلك البدوي القادم من القرى والضواحي القريبة والبعيدة.
البضائع متنوعة: القماش الهندي، والحبال، والأحذية، وقرب الماء، والملابس التقليدية القديمة.
هناك من اتخذ طرفا في السوق لكي يبيع محصول مزرعته، وهناك من ينادي على السمن، وآخر يغري رواد السوق بمذاق الجبنة البلدي.

أبو حديدة الذي قتل الجمل
مبارك وصل الله الجحدلي، 68 عاما، يوضح لماذا سمي بسوق البدو قائلا: كان السوق في الأصل هو الوحيد في جدة الذي يأتي إليه كافة سكان البادية ويقصدونه لأن أغلب احتياجاتهم موجودة فيه، خصوصا الأقمشة والملابس لكن هناك من يبيع الحبال واحتياجات الخيام، وحتى البذور والمواد الغذائية والسكر والشاي والرز.
كما أن القادمين من البادية يجدون في السوق فرصة للترويج لما يحملونه من بضائع البادية، بعضهم يأتي ومعه السمن البري، وكـذلك الـعسـل والمنـتوجات الحيوانية والزراعية عموما.
كنت صاحب دكان صغير أبيع فيه السمك الناشف المسمى بـ (الحريد) وهو أحد مكونات أكلة شعبية مع الرز بالعدس أو (المعدوس).
وبعض سكان البادية، خاصة القادمين من جهة عسفان وما جاورها من القرى والضواحي مثل خليص، وأم الجرم، ووادي فاطمة، هم أغلب زبائني حيث يقومون بغلي ذلك السمك الناشف مع (الحمر) على النار، ثم يقومون بعمل الرز بالعدس، ويأكلون الرز بعدما يضعون عليه ذلك الحمر مع أوصال السمك الناشف.
لقد كان له مكان في سوق البدو وكنت آتي بهذا السمك من ثول ورابغ وينبع، وإذا كانت الأحوال جيدة كنت أوصي مع الجمالة القادمين من أملج، وهؤلاء كانوا يأتون إلى سوق البدو في النادر، ولعل هذا هو سبب من الأسباب التي تجعل دكاني في بعض الأيام بلا سمك، أذكر من هؤلاء الجمالة: محمد عطية الجحدلي ومسعود أبو حديدة، وسمي أبوحديدة كما يقول البعض لأنه في سنة من السنوات وبينما كانوا في طريقهم إلى قريتهم، وبرفقتهم جمال كثيرة، حدث أن هاج أحد الجمال وكاد يفتك بصاحبه عندما أطبق بأسنانه على يد راعيه، ثم رفعه إلى أعلى وعلقه في الهواء، وأخذ يطوح به يمنة ويسرة، وما أنقذ الرجل بعد الله إلا مسعود أبو حديدة، حيث التقط قطعة حديد غرسها في فم الجمل وأجبره على أن يطلق يد الرجل، إلا أن الجمل تحول نحو مسعود أبو حديدة يريد الانتقام منه إلا أن مسعود ضربه على رأسه بتلك الحديدة وقتله ومن يومها سمي بـ (مسعود أبو حديدة).

حلاوة اليمن
يتداخل راضي حنين الصحفي، 59 عاما، قائلا: كنت صغيرا عندما (هبطت) مع والدي، الذي كان لديه دكان في القرية، إلى جدة وتحديدا إلى سوق البدو، وأذكر أننا ربطنا الجمل في ساحة لا تبتعد كثيرا عن مكان السوق، حيث كانت كل الجمال القادمة من خارج جدة يتم وضعها هناك، ثم غادرت برفقة الوالد من أجل شراء بعض البضائع الخاصة بالدكان.
كان في ناحية من نواحي السوق يوجد تاجر لا يبيع إلا الحبال وأكياس الخيش، وهناك دكان آخر يبيع صاحبه السكر والشاي والبن والرز، اشترى منه الوالد صندوق شاي كبيرا حيث كان الشاي يأتي في ذلك الوقت في صناديق خشب كبيرة، وصناديق خشب أصغر حجما، وكنت أحب صناديق الشاي الأصغر لأنني كنت أستخدمها للدجاج والحمام في ذلك الوقت، المهم اشترى والدي كل ما يحتاج ولم ينس أن يشتري لي (حلاوة) لذيذة كنت أحبها، وهي (حلاوة) كان يؤتى بها من اليمن كما سمعت من الوالد، هذه (الحلاوة) مازال مذاقها حتى الآن في فمي، ولقد اختفت ولم يعد لها وجود، سألت عنها كثيرا حتى في اليمن لكنني لم أعثر عليها.
كنا قد جئنا السوق مع صلاة الفجر وغادرنا جدة قبل صلاة العصر، حيث حرص والدي على تناول الغداء عند بائع السمك حيث كان صاحب مطعم يعد وجبات السمك، يجلس الناس لتناوله خارج محله أي في الشارع، حيث قام بفرش الحنابل لزبائنه، والماء عبارة عن زير كبير وضع عليه (المغراف) وهو علبة سمن خصصها لمن يريد الشرب من ذلك الزير.

مناقيل الفضة والذهب
محمد أبو بكر محمد باقيس، 67 عاما، الذي عايش سوق البدو، رحب بالحديث في الوقت الذي رفض آخرون، ممن ما زالوا يتاجرون في السوق معه، رفضوا وبشدة الدردشةعن ذكرياتهم.
العم محمد قال: سوق البدو لم يكن السوق الوحيد ولا حتى الرئيسي في جدة، كانت هناك أسواق أخرى، لكن سوق البدو هو سوق البادية الذي يحرص سكان تلك النواحي على المجيء إليه ويفضلونه، نتيجة لوجود كل ما يسعون للحصول عليه إضافة لإمكانية بيعهم لبعض منتوجاتهم فيه مثل: الحطب واللبن والسمن وغيره.
فحلقة الخضار لم تكن بعيدة عن السوق يذهبون إلى هناك ثم يأتون للتسوق في سوق البدو، وجدة كما تعلم كانت تحيط بها أربعة أبواب: (باب مكة)، و(باب شريف)، و(باب الصبة)، و(باب جديد) وما كان سوق البدو خارج هذه الأبواب كما يظن البعض، بل سوق البدو كان في قلب جدة وفي نفس المكان تقريبا الذي يوجد به سوق البدو الحالي حيث كانت تتناثر الدكاكين الشعبية، والتي كانت تبني من نفس المادة التي تبني منها بيوت جدة القديمة نفس الطوب البحري، واللبن حيث يختص كل دكان ببضاعته المميزة وكان أغلب التجار من الحضارم.
كان يقع في الجزء الخلفي من السوق (سوق النحاسيين) وكان فيه الذين يقومون بعمل جرار الفول مثلا وجلي الأواني النحاسية والدلال.
كانت تلك الدكاكين يتم استئجارها من الأوقاف، وبالذات الدكاكين الواقعة في الناحية اليمني وأنت داخل السوق أما الدكاكين الواقعة في الناحية اليسرى فكان بعضها يخص الأوقاف وبعضها يخص أصحابها.
ابو عبدالله سعيد: انا لم اعاصر سوق البدو ولكن عايشت سوق الذهب.
ويتصل محمد باقيس هاتفيا بعمه أبو بكر أحمد باقيس ويسأله: «يا عم من تذكر من التجار القدامي في سوق البدو؟» ورد عمه:
عايشت السوق منذ عام 1369 هـ وأذكر من التجار الكبار (حسين صابر، ومحمد صابر، وحامد الكيكي، وباحسين)
وأغلب رواد السوق هم من القادمين من غران والصحفة ووادي فاطمة وغيرهم من سكان الضواحي .
أما عن قيمة الايجار، فقد كنا نستأجر الدكان بـ 300 ريال في السنة، وفي عام 1374 هـ صدر أمر بأن يكون الإيجار حرا.
أما عن وقت السوق، فكان السوق يبدأ بعد صلاة الفجر ويمكن قبل الصلاة بقليل وحتى قبل صلاة المغرب، حيث يتم قفل كل دكاكين السوق، لأن السوق يصبح خاليا ولا يمشي أو يجلس فيه أحد، وكانت عملية البيع والشراء تتم بالريال الفضة والجنيه الذهب، حيث توضع ريالات الفضة وجنيهات الذهب في ما يشبه الصناديق ونسميها بـ(المناقيل)، وكان بعض التجار يحمل تلك المناقيل إلى بيته، وكانت ثقيلة، حتى أنهم وجدوا في بعض بيوت جدة القديمة بعض تلك المناقيل مدفونة تحت تلك البيوت.
ويعود العم محمد باقيس ليكمل الحديث بقوله:
أما عن الأقمشة في السوق فلم نعرف الأقمشة الصينية، أو غير تلك التي كانت تأتي من الهند فقط، وأحيانا بعض الأقمشة من بريطانيا.
الأقمشة الهندية نقوم بشرائها من قصبة الهنود التي تقع بالقرب من سوق الذهب حاليا، حيث يحضرها بعض الهنود معهم أثناء قدومهم، أوعن طريق أقارب لهم هناك ثم نأتي نحن ونشتريها منهم.
وأذكر من تلك الأقمشة قماش (الدوك) وهو غير (الدوت) فالدوك قماش يعتبر من أغلى الأقمشة في ذلك الوقت، وهناك قماش (الحمراء)، أما قماش (العنبرية) فهو القماش الوحيد الذي كان يأتي من بريطانيا، وكل هذه الأقمشة كانت تجد رواجا لدى البدو.