عندما تقدمت لطلب الوظيفة المعلن عنها في الصحف، كانت غرفة الانتظار تغص بالنساء المتقدمات مثلها لنفس الوظيفة، في زاوية الغرفة جلست فتاة في الـ17 عمرها، تعالج قلقها بالنظر إلى مرآة مدورة في يدها، تطل منها على زينتها، ثم تمرر إصبع الروج على شفتيها بلون رملي باهت، تغيرت الموضة لم تعد الألوان الفاقعة، هي مصدر الإثارة على الشفاة عند النساء، بل صارت ألوان الرمل والوردي الباهت هي الألوان المفضلة لدى فتيات اليوم، لو رأت أمها هذه الفتاة الصغيرة وهي تتجمل بينهن بجرأة ودون مبالاة لقالت قولتها الشهيرة «ان الشيطان لا يجد طريقة إلى الرجل إلا عن طريق المرأة فهي مكمن الغواية والرجل هو صيدها السهل»!!!
صاح طفل صغير في الغرفة يتعلق بزجاجة حليب باردة بين يدي سيدة، سمعتها تقول بلهجة مصرية مختلطة بمفردات سعودية:
«من اللي جزاها خير تمسك الولد الزغير لحد مخلص من المقابلة»؟
لم يتبرع أحد بالرد على سؤالها, دخلت مع طفلها وهي تبرطم بكلام كله حنق على غياب الخير من النفوس هذه الأيام, عندما جاء دورها طلبت منها السيدة التي عند الباب أن تسدل غطاء وجهها، لأن اللجنة كلها من الرجال، شهقت الفتاة التي كانت تصلح من زينتها كل وقت بصوت ممتلئ بالغنج:
يووه ياربي فيه رجال!!
جلست قبالة الرجال الثلاثة، واثنان منهم يلبسان ثوبا سعوديا، فيما كان الثالث سوداني الجنسية يلبس قميصا ابيض وبنطالا، تحدث الرجل المتوسط بينهم عن شروط الوظيفة، وأن العمل هنا يعتمد على الجهد، والكفاءة، وليس على عدد ساعات العمل، وحين جاء الحديث عن الراتب بادر الرجل السوداني بالقول، إن الراتب بسيط، لكنه عتبة أولى يضع عليها الموظف قدمه ليعلو إلى أرقام لا حدود لها، ولا سقف، فهذه الوظيفة من الممكن أن تحقق لصاحبها الألوف، والذهب، حسب جهد الموظف وذكائه لأن الراتب الصغير هو قاعدة الانطلاق للأرقام العظيمة، لأن كل قطعة يقوم ببيعها، يحصل من ثمنها على نسبة عشرة بالمائة، صحيح إنها نسبة بسيطة، لكن المؤسسة توفر له الدخول لعالم التجارة والبيع، وضرب مثلا على نفسه قائلا بأنه بدأ العمل مندوب مبيعات بسيط، ثم تدرج في البيع بسبب الخبرة التي وفرتها له مهنة البيع وصار يحقق الكثير, وقد وصل راتبه وهو مندوب مبيعات إلى عشرة آلاف، شهق قلبها عندما سمعت هذا الرقم، وراحت تحسب كم ألفا تحتاج لاصلاح طلاء البيت، والمروحة، الثلاجة، وشراء تلفزيون، ملون، وجديد، قطع الرجل المتوسط الذي يلبس الثوب السعودي أفكارها بسؤال:-
هل لديك مواصلات؟
تلعثمت لم تدر ما تجيبه؟، خافت من قول، إنه ليس لديها مواصلات فيحول جوابها بينها وبين العشرة آلاف قالت:
في الحقيقة لا، ولكن سأتعاقد مع سائق أجرة حتى يصل راتبي لعشرة آلاف ثم أحضر سائقا.!!
نظر الرجلان السعوديان إلى الرجل السوداني الذي شعر بالحرج ثم قال:
حسنا انتظري اتصالا منا!
شعرت أن مساحة عريضة اعترضت الطريق بينها وبين العشرة آلاف، لسعت دمعة ساخنة خدها، وهي التي تجيد عادة سحّ الدموع، سمعت صوت كبير اللجنة الرجل الذي يلبس ثوبا سعوديا يقول:
لا بأس لا بأس يا سحر لا تبكي المؤسسة ستؤمن لك المواصلات بس انتي شدي حيلك!!!
(شدي حيلك) تشبثت بتلك الكلمة، التي أنقذت روحها من يأسها، أسندت عليها قدميها، مشت بها إلى البيت، علقتها على كتفيها مثل قربة ماء ساخنة، تدفئ بها عضلاتها المتوترة، خوفا وجزعا، وضعتها تحت رأسها مخدة، من ريش حمام، يطير بها، ويهبط في جنة العشرة آلاف، نامت ظهيرة طويلة تتوسدها، بل صارت هذه الكلمات، طرزان، يقبض على خصرها ويقفز بها فوق الأشجار، والمرتفعات، وفوق المحبطات التي عادة تصحو معها، عند كل قيلولة متأخرة، لتذكرها بأنه لا مفر من تعاسة أيامها القاحلة، لمح لها عقلها بالفتاة التي كانت تصلح زينتها، ربما سيغلب غنجها رأي اللجنة وتفوز بالوظيفة دونا عنها، ربما السيدة المصرية قد سفكت دمعتين مثلما فعلت هي، أو أكثر لتحصل على الوظيفة، لكن كلمة «شدي حيلك!» التي خصها بها كبير اللجنة عادت وشدتها من خصرها، هبطت بها فوق سماء زرقاء، ركبت بها أرجوحة من غيم، وحلم، شعرت أنها خفيفة الوزن، والعقل أيضا، كنست وقتها البطيء، بقشة من غزل مخدات التريكو، وتشاهد التلفزيون، مثل إمرأة تنتظر عودة زوج، لا تعرف موعده.
دق الهاتف تحدث معها الرجل السوداني بصوته الخفيض قائلا:
مبروك، الوظيفة لك، ياسحر بس جيبي معاك الشهادات ومري علي غدا!!
في الشهر الأول قبضت ألف وخمسمائة ريال فقط لكن عقلها ذكرها، بالثمانية آلاف وخمسمائة، التي ستقبضها لاحقا، كان عقلها باردا إلى الحد الذي أصبح يؤلف أشياء من عنده، الدورة التدريبية التي التحقت بها لتدريبها على تعلم قواعد العرض، والبيع لم تفلح في نزع تلك القشرة الغبية التي أحاطت بعقلها، من جراء جلوسها الطويل في البيت, بعد خيبتها بعدم الالتحاق بالجامعة، ازدادت هذه القشرة سماكة, بسبب مسلسلات التلفزيون الطويلة، والمباشرة التي لم تترك لعقلها مساحة للتأمل، والتخمين. دربوها على حفظ جميع مميزات المكنسة العجيبة، التي تشفط التراب، وتغسل السجاد، وتنفض الغبار، وتقتل الحشرات وتمتص الدود الصغير الذي يعشش وسط قطن المخدات، والفرش الليلية، شرحوا لها أن هذا الدود الغريب، هو الذي يمتص طاقة الجسد، ويغرس قرونه في شهية الزوج، ويجعله خاملا، كئيبا، وهو الذي يعلم النساء البكاء طوال الليل ويصيبهن بأحزان غامضة، عسيرة على التفسير!
تدربت على قواعد لعبة البيع وتمرين النفس على الصبر، وفن المحاورة، وإبقاء الزبون متابعا متشوقا للمعلومات الجديدة، طوال ساعة من الوقت، مع الاحتفاظ بالسعر سرّا، حتى نهاية العرض، فلا تهبط عزيمة المشتري قبل أن تقنعه الشروط السحرية للمكنسة.
ظل الرقم المرتفع للبيع يفسد على الدوام كل محاولات العرض، ربما لأنها هي نفسها تجد أن خمسة آلاف، مبلغا مرتفعا لمكنسة، فما أن تفتح فمها بالسعر حتى يبدأ الزبون برفع قطع المكنسة المفككة على الأرض لمساعدتها على الرحيل عاجلا دون إبطاء.
أقنعت نفسها بأن الفئة التي تستلم مرتبا بألف وخمسمائة ريال، لن تدفع هذا المبلغ لشراء مكنسة، فهم لاشك أناس مثلها، يكتفون بمكانس الخوص، أو مكانس الكهرباء البسيطة التي لا تشفط إلا الغبار، لكن بعد خط العشرة آلاف سيفكرون، مرة بشرائها، ففئة الألف وخمسمائة لا يفكرون بتنظيف فرشهم من الكآبة، لأنهم يعرفون أن الكآبة لا تأتي من الفراش، بل تأتي من النافذة، ومن الجيب الخالي، ومن الأمطار، وأسعار الدواء المرتفعة، والأحلام التي انتهت صلاحيتها فرموها في نفاية الأحلام المستحيلة، ولن تفلح مكنسة ما، في شفط الكآبة من هوائهم الذي يتنفسونه، قالت لنفسها: إن هذه المكنسة ليست مصنوعة للغلابة مثلهم، بل صنعت لتقضي على فراغ ربات البيوت اللواتي يتسلين بالشفط والكنس، هن من سيشتري المكنسة السحرية التي، ستشفط دود الكآبة من فراشهن، وتقضي على كآبتهن دون حاجة لالتهام دواء (البروزاك)، الذي يحولهن لألواح من الثلج، تتجمد فيه مشاعر بؤسهن، وفرحهن، وإحساسهن بالحياة، وجعل أعينهن تلمع مثل كرات زجاجية ملونة، بالضوء المنعكس عليها بينما تظل أعماقهن مظلمة ومنطفئة.
انقضى شهرها الثاني، ضامرا بورقات الخمسمائة الثلاث، مما جعلها تتأكد أن النساء يائسات من تطهير بيوتهن من الحشرات، وأرواحهن من الكآبة فقد دفعن بمكنستها للخارج، لأنهن غير متحمسات لشراء مكنسة سحرية المفعول، بخمسة آلاف يضعنها بين يدي خادمتهن، لتلهو بها، وتخربها، وتأكدن أن كآبتهن لا مفر منها، لأن قدر النساء أن يلدن كل عامين وأن لعبة الهرمونات في أجسادهن، لها سطوة لا تحلها مكنسة، ولا عقار، بعضهن رفض حتى أن يفتح لها الباب، وبعضهن تعلل بأن زوجها لا يسمح للغرباء، والغريبات بالدخول، فأدركت أنها أخذت الاتجاه الخاطئ حين أغفلت الرجل من حساباتها، لبيع المكنسة، فهو صاحب القرار، وصاحب النقود، ولذا أدارت عجلتها نحو بوصله الرجل بسرعة مائتين وثمانين درجة، وهذا على ما يبدو ما جعلها، تفقد بوصلة الطريق كله.
في المرة الأولى استقبلها الرجل وحده دون إمرأة شرحت له الفكرة، وعندما تأكد أن الأمر كله لا يتعدى مكنسة قال لها:
قولي لمؤسستكم إن (المهابيل) فقط هم من يشترون مكنسة بخمسة آلاف!.
نصحها الرجل السوداني في الشهر الثالث أن تختار زبائنها من ذوي الأسماء المتخمة بالمال فبدأت تقلب في دليل الهاتف، وجدت أرقاما تخص أصحاب المؤسسات الكبيرة، وعلى الفور اتصلت بهم، وطلبت الحديث مع المدير، الرجل الأول كان يملك اسما ذهبيا، وصوتا ذهبيا ايضا، لكن ضحكته الذهبية رنت في أذنهاـ حين قالت له: أنها تريد أن تقابله لبيع مكنسة، ظن أنها تمزح ثم حولها على السكرتير، حاولت مع رجل ذهبي آخر فسألها:
- هل مكنستكم تطير؟!
قالت له: الله يسامحك وهل هناك مكنسة تطير؟!
قال لها:- نعم مكنسة الساحرات؟ وأنت قلت أن مكنستكم سحرية!!
كادت تنهي الحوار، عندما أدركت أنه يتسلى بها، لولا أنها تذكرت أن اليوم هو الثامن والعشرين من الشهر وأنها لم تبع ولا مكنسة، فقررت ألا تستعجل، وأن تجرب ملاحظات زودتها بها صديقتها، قد تساعد على رفعها من بلاط الألف وخمسمائة.
حدثت المدير صاحب الصوت الذهبي وطلبت منه، موعدا في البيت وحصلت على ما أرادت. اعتبرت أن هذا النجاح هو حصيلة خبرتها لثلاثة أشهر، وأن الإنسان لا يولد عارفا، وأن الصبر هو مفتاح الأبواب المغلقة، لو لونت صوتها بطيف من فرح، وبعض ضحك لطيف.
فتح الخادم الباب لها ودخلت منزلا صقيلا، يلمع كل شيء فيه بالرفاهية، فتوجست خوفا من أن منزلا كهذا ليس بحاجة لمكنسة، وأن الكآبة لا تزور فرش هذا المنزل، ولا يجد الدود اللعين بقعة له في أجساد نسائه الرخوة، الصور المعلقة على جدران الحائط مفضوحة بالعري، مما أوحى لها بأن هذا المنزل لا يزوره ناس كثيرون، أدخلها الخادم، غرفة ممتلئة بأثاث غريب، مقاعد بلا مساند، ليست كرسيا ولا فراش، ومخدات صغيرة مرسوم عليها نساء ورجال يلهون ويلعبون وعشاق غارقون في سكرة الحب، وإمرأة تطير في الهواء على أرجوحة من أزهار حمراء، وسط غابة من الحب والعناق الدافئ، استيقظ في عقلها حزن غريب، وتنهد قلبها، وهو يلمس أطراف الجنة، سمعت هرير قط في قلبها يدعك فروته بجلدها، انتشرت حبوب برد على جسدها، شعرت بقشعريرة من شوق، وفرح، وخوف، دخل الرجل صاحب الصوت الذهبي، كان وجهه ذهبيا أيضا، وملامحه تفيض بالبريق، حياها كما لو كانت ضيفا عزيزا عليه، احضر الخادم عصيرا ملونا، لا تختلط الألوان فيه، ترددت في شربة خوفا من أن تكون واحدة من ضحايا العصير المخدر كما في الأفلام المصرية، طلبت ماء لتغسل حلقها و خوفها، اختصرت الحديث عن مكنستها كثيرا لأنها أدركت أنها بحضرة رجل ذهبي لايحتاج مكنسة لتنظيف فراشه، ولا سجاجيده العجمية الغالية، لكنه فاجأها وهو يفتح دفتر شيكاته ويسألها:-
ما اسم الآنسة ؟
بلعت ريقها وقالت: الشيك سيكون باسم المؤسسة نحن نأخذ نسبة بسيطة من ثمن البيع!
ترك القلم في قلب دفتر الشيكات الضخم وقال لها: خسارة أن يضيع جهدك بثمن بخس،.....
لم تسمع ما قاله لاحقا، لأن قطا شقيا قفز من قلبها، وأندس في صدر دفتر الشيكات، أخذ يمسح جدرانه الناعمة بفروة، حاولت أن تنادي قلبها الشقي ليعود، أخذت أنفاسها تتصاعد للحاق به، خافت ان ينتبه لها الرجل الذهبي ويرتاب في أمرها، ربتت له بأصابعها على رأس الطاولة، كلما ربتت بإبهامه القريب منه انكمش أكثر، قال الرجل الذهبي :
لماذا لا تعملين لحسابك الخاص أليس حراما أن تعملي وهم يقبضون، بالمناسبة كم تقبضين؟
انشغلت بمتابعة قلبها الهارب، وضع الرجل أصابعه الذهبية على أصابعها التي رقدت على طاولة المكتب بحنان فسحبتها بسرعة، اصطدمت بدفتر الشيكات فسقط الدفتر في قاع الدرج، ركض قلبها وراءه، عادت أصابعها تناديه، فاصطدمت مرة أخرى بيد الرجل الذهبي، ألتقط يدها بسرعة، ضغط عليها بشدة، انصهرت أصابعها في يده واعتصرت قبضته كل القشعريرة، التي تتجول في جسدها، منذ دخلت هذا البيت، وأخذت تسبح بها في نهر من الدفء، أوصل قلبها لجنة سحرية، صمت الجنة أطبق على عقلها ولسانها، سحب ستارة الضوء على جفونها، كانت ورقة التقويم على المكتب تنبئ باليوم الأخير للشهر، وأوراق الخمسمائة الثلاث تنام في أيامه الماضيات، حين أرخى جفنيها ستارتهما، غفا قلبها، ثم نام.
حين ذهبت لتقدم استقالتها، من مؤسسة المكانس السحرية، وجدت السيدة المصرية التي رأتها يوم تقدمت بالوظيفة تحمل ابنها على يدها وتقول: للرجل السوداني:
هي دي ياخوي عيشة، هي الألف وخمسمائة، بتعمل أيه النهاردة !
سمعت صوت أظافر قلبها تخمش البلاط، تتزحلق على بلاط المؤسسة، ثم يهرب، خرج قبلها إلى السيارة، وأقفل بابها وجلس ينتظرها هناك، حين وصلت إليه، فتح سائقها الافريقي، باب سيارة الفورد، ورن جهاز الموبايل في حقيبتها، حين أجابت سمعت صوتا ذهبيا يقول:
يا هووه هي المكنسة السحرية تطير ولا ما تطير!!!!