عندما يحجز المسافر رحلته، يهتم غالباً بوقت المغادرة، وسعر التذكرة، وعدد ساعات التوقف، وجودة الخدمة، وموقع المقعد (إن كان يستطيع الاختيار).

قليل من يتوقف عند سؤال مختلف: ما نوع الطائرة التي سأطير عليها؟ مع أن هذا السؤال قد يكون أكثر أهميّة من فرق مئات الدولارات.

الطائرة أحياناً أكثر من مجرد وسيلة نقل، خاصة في الرحلات الطويلة، إنها البيئة التي ستعيش داخلها أكثر من 12 ساعة؛ ستنام أو تحاول، ستأكل وتتأمل، وستجرب فيها الراحة أو الضيق، لهذا أعتقد أن سؤال: «ماه طائرتك المفضلة؟» ليس زائداً عن الحاجة، بقدر ما هو جزء من وعي المسافر المعاصر، خاصة المسافرين الدائمين.

مثلاً، طائرة الدريملاينر B787 حقّقت شهرتها من تجربة مختلفة يشعر بها كثير من الركاب، ضغط المقصورة فيها يعادل ارتفاعاً يقارب 6 آلاف قدم بدلاً من 8 آلاف في الطائرات التقليدية، ما يقلّل الجفاف والصداع والإرهاق، الرطوبة أعلى والضجيج أقل والنوافذ أكبر، والإضاءة الداخلية مصمّمة لتنسجم مع إيقاع الجسم، لكن الصورة ليست مثالية دائماً، فبعض شركات الطيران استغلت كفاءة الطائرة وشعبيتها ورفعت كثافة المقاعد في الدرجة الاقتصادية، فكسبت الشركة وخسر الراكب مساحة الكتف والركبة، هنا يظهر الفرق بين طائرة ممتازة وتجربة متوسطة؛ فالطراز وحده لا يكفي.

في الجهة الأخرى تقف إيرباص A330 بهدوء، ليست صاخبة إعلامياً، لكنها تمنح في كثير من الشركات ترتيب مقاعد 2-4-2، وهو توزيع يفضله كثيرون خاصة الأزواج والعائلات، أن تجلس بجوار شخص واحد بدلاً من اثنين قد يبدو أمراً بسيطاً، لكنه في رحلة طويلة يصنع فرقاً واضحاً.

ثم تأتي إيرباص A350 التي تمثّل توازناً ناضجاً بين التقنية والراحة، مقصورة هادئة، ضغط أفضل، تصميم داخلي أنيق وكفاءة تشغيلية عالية، لهذا أصبحت خياراً مفضلاً لكثير من شركات الطيران، ولعدد متزايد من المسافرين.

في الرحلات القصيرة والمتوسطة، يبرز التنافس بين A320neo و737 MAX هنا تختلف الحسابات فالرحلة غالباً أقصر، والتركيز على الوصول أكثر من التجربة، ولا تبدو الفوارق حاسمة للراكب العادي، مع أن عائلة A320 تقدم مقصورة أعرض قليلاً، في المقابل، تبقى B737 خياراً مألوفاً، ارتبط في ذاكرة المسافرين بمئات الرحلات، رغم ما مرت به من تداعيات في السنوات الأخيرة.

جزء من تفضيلات المسافرين نفسي أكثر من كونه تقنياً، قد يحب المسافر طائرة؛ لأنها كانت رفيقة أول رحلة مهمة في حياته، أو لأنها حملته مع أحبته إلى مدينة لا ينساها، الطيران ليس أرقاماً فقط، هو ذاكرة وقلب أيضاً.

لكن هل يستطيع المسافر اختيار الطائرة التي يفضلها فعلاً؟

نظرياً نعم، خاصة في رحلات الترانزيت حين تختار أن تطير لمكان بعيد عبر الدوحة أو إسطنبول أو باريس مثلاً، كثير من مواقع الحجز تعرّض نوع الطائرة وتفاصيل المقاعد، والمسافر يقارن ويختار، لكن عملياً، شركات الطيران قد تغيّر الطائرة في أي وقت لأسباب تشغيلية، كما أن العمر التشغيلي عامل مؤثر؛ فطائرتان من النوع نفسه قد تقدّمان تجربتين مختلفتين تماماً، واحدة بمقصورة محدثة وأنظمة ترفيه متطورة، وأخرى بتصميم قديم؛ لذلك الحكم على الطراز من تجربة واحدة قد يكون مضللاً.

مع تطور الوعي، بدأ بعض المسافرين ينظرون أيضاً إلى الجانب البيئي، طائرات الجيل الجديد مثل B787 وA350 وA320neo تحقّق توفيراً في الوقود وانبعاثات أقل لكل مقعد، وهذا العامل يزداد الاهتمام به عالمياً وقد يفرق في التكلفة.

ومن الزوايا اللافتة دخول طائرات مثل إيرباص A321XLR إلى الوجهات المباشرة البعيدة، وهذا يفتح مسارات جديدة، لكنه يضع الراكب أحياناً في رحلة تمتد لسبع أو ثماني ساعات داخل مقصورة أضيق، هنا ينقسم الناس بين من يفضل رحلة مباشرة ومن يفضّل راحة أكبر؟

شركات الطيران تدرك أن الطائرة أصبحت جزءاً من تسويقها، إدخال طراز جديد لم يعد قراراً تشغيلياً فقط، إنه جزء من رسالة تقول للمسافر: «نحن نستثمر في تجربتك».

في النهاية، لا يوجد تفضيل واحد حاسم، من يسافر لمسافات طويلة قد يفضل B777 أو A350، أو A380 ومن يهتم بتوزيع المقاعد قد يميل إلى A330. ومن يريد رحلة داخلية سريعة ربما لا يعنيه الطراز بقدر ما يعنيه الوقت والسعر.

السؤال الأدق ليس «ما أفضل طائرة»، بل ما الرحلة التي أمامك؟ وما الذي تريده منها؟

في المرة القادمة، حين تصعد إلى الطائرة انظر حولك قليلاً، لاحظ ارتفاع السقف وصوت المحركات وسعة النوافذ وعرض الممرات وحجم المقعد وإحساس المكان، وستدرك أن الرحلة تبدأ قبل الاقلاع بوقت طويل.. من اختيار طراز الطائرة لا من وقت إغلاق الأبواب.