في السويرقية يبدو واضحا حين تسير في طرقاتها الجانبية أو بجوار جبالها التي تحيط بها من جهة المشرق أنها تمثل تاريخا عريقا يمتد لآلاف السنين. فالنقوش الأثرية والقرى التاريخية والعديد من الآثار، تجذبك للمكان بل تشعر أنها تحاكيك وتشكو لك من الإهمال و عوامل التعرية. قبل أن تلج إلى مركزها الرئيسي تقف عيناك أمام سد يعود تاريخه إلى آلاف السنين تم بناء حجارته من «الجصة والماء»، لمنع المياه المنحدرة من على بعد 60كلم من مداهمة أهالي السويرقية ولحفظها من الهدر. ووفقا للباحث في شؤون الآثار دخيل الله المطيري فقد بني السد منذ فترة قديمة للغاية من مادة الجصة والتي كانت منتشرة في الوادي بشكل كبير حتى سمي الوادي باسمها (وادي الجصة). ويضيف العزيزي.. .كان السد يؤدي خدمة كبيرة لأهالي السويرقية واستمر كذلك حتى السنوات الخمسين الأخيرة قبل أن تهدم معظمه السيول ويهجره الأهالي مع النهضات العمرانية الحديثة المتتالية. ويرتفع السد ما يقارب الأربعة أمتار عن الوادي ورغم قدم إنشائه إلا أن أطرافه المتماسكة حتى الآن تشير إلى قوة الصنع والتماسك الغريب ما بين حجارته. وفي أقصى الجانب الشرقي للسويرقية تربض القرية الأثرية الهلالية على مساحة تزيد عن 10 آلاف متر مربع تقريبا وتحتوي على قلعة كبيرة من أيام قبائل بني هلال قبل ما يقارب ألف عام تقريبا، وكان آخر من استخدمها الشيخ زيد المندهة المطيري لحماية قبيلته من المعتدين وذلك منذ 150 عاماً تقريبا. وعن القرية الأثرية يقول زيد بن عايض المندهة حفيد آخر سكان القلعة ونائب رئيس المجلس البلدي بالمهد: كانت تضم مئات من المنازل المصنوعة من الطين واللبن، تحيط بجبل يقع في منتصف «القاع» وفوق ذلك الجبل منزل شيخ قبيلة المندهة محاطا بسور ضخم من إرث القبائل الهلالية التي سكنت المنطقة منذ سنوات بعيدة.
نقش الآية
ويلتقط الدكتور عيسى العزيزي طرف الحديث قائلا: تعرضت القرية الأثرية لنوع من العبث أدى إلى اختفاء عدد ليس بقليل من المعالم الأثرية أبرزها نقش الآية القرآنية بالخط الكوفي غير المنقط والذي يصل عمره لأكثر من 700 عام، وكانت تلك الآية المنحوتة على صخرة مساحتها متر في متر تقريبا قد ثبتت على جدار المسجد من الداخل بطريقة إبداعية ولكن تلك الآية اختفت من الموقع منذ عدة سنوات دون ان يتنبه أحد من سكان السويرقية لها إلا بعد اختفائها بفترة من الزمن.
ويستطرد العزيزي.. أصابع الاتهام تشير إلى بعثات أجنبية كانت تأتي إلى القرية بطريقة غير رسمية وإلى عمال بعض الشركات الذين يعملون في المدن الكبرى أو في المهد أو غيرهم من مستثمري التراث، ويشير بعض السكان إلى أن سرقة تلك الآية المنحوتة تمت عقب زيارة إحدى البعثات تنبهت على ما يبدو لذلك النقش واستغل افرادها غياب عين الرقيب وأخذوا معهم النقش التراثي من داخل المسجد، ويواصل الدكتور عيسى قائلا: ما حدث يعد بمثابة جرس إنذار ويدعو في الوقت نفسه الجهات المعنية بالآثار سواء من وزارة التربية والتعليم أو هيئة السياحة إلى وضع حراسة على هذا التاريخ القديم لحمايته من العبث والسرقة خصوصا مع بقاء العديد من الرموز الأثرية في القلعة حتى الآن.
ويقول دخيل الله المطيري إن السرقة لم تقف عند تلك الآية المنقوشة إنما تجاوزت إلى سرقة «مزولة» قديمة كانت في فناء المسجد وكان أهالي القرية القديمة يعتمدون عليها بشكل كبير في التعرف على أوقات الصلوات والإفطار والإمساك في شهر رمضان، وكانت مصممة بطريقة هندسية رائعة مبهرة ولكنها للأسف اختفت أيضا بهدوء من داخل المسجد ، ولا يعلم سكان السويرقية أين اختفت المزولة التي تمثل جزءا مهما من تاريخ القرية إن لم تكن الأبرز.
السرداب العجيب
وكان بالقرية التراثية أيضا سرداب يعد من أبرز ملامحها إلا أنه اختفى تقريبا بفعل الإهمال الذي يطغى على القرية التراثية.ويقول عبدالله الشريف المهتم بالتراث والتاريخ: كان السرداب محفورا في قلب الجبل ويربط بين البيوت الطينية التي يسكنها الأهالي في الأسفل وبين الحصن الموجود في أعلى الجبل ويمتد بارتفاع 20 مترا تقريبا ، وكان الرماة ينتقلون عبره إلى الأعلى في حال الحروب بعيدا عن أسهم المعتدين فضلا عن دوره في نقل الغذاء والشراب إلى المدافعين عن الحصن . ويضيف الشريف...رغم الشكل المعماري الرائع لذلك السرداب إلا أنه مع التطور العمراني تعرض للإهمال ودفنت أجزاء كبيرة منه.
كتابات كوفية
وبالقرب من القلعة حيث قرية سوارق وبئرها المشهور الذي كان يرتاده الحجاج للارتواء والارتياح لأيام قبل ان يواصلوا رحلتهم عبر درب العويدي او طريق زبيدة توجد العديد من الكتابات والنقوش على الحجارة والتي يعود تاريخها إلى 700 سنة وأكثر. وهنا يشير دخيل الله المطيري إلى أن الحجاج كانوا يفضلون الراحة على البئر ويمكثون أياما عدة ويسجلون أسماءهم أو يكتبون آيات قرآنية على الحجارة بشكل بديع وملفت للنظر وهنالك المئات منها بجوار البئر وفي الجبل الذي يقع بالقرب منها ولكن المشكلة في الهجوم العشوائي من بعض المراهقين والذين انطلقوا يكتبون عليها بالبخاخات المستخدمة في الكتابة على الجدران الأمر الذي أدى إلى طمس العديد منها.
ويطالب سالم الحربي بضرورة الحفاظ على آثار السويرقية والتي لا تقدر بثمن من وجهة نظره، وإيقاف السرقات التي تتعرض لها من قبل بعض البعثات وغيرها مع تشديد الحراسة عليها خصوصا في القلعة الهلالية والتي تعد الأبرز من حيث القدم والجودة.