نعى الناعي يوم 21/10/1429هـ علماً من أعلام الثقافة ليس في اليمن بل في العالم العربي، إنه القاضي إسماعيل بن علي الأكوع الذي ولد في ذمار سنة 1338هـ، وقد وصفه الشيخ حمد الجاسر في كتابه (اليمن بين مؤرخَيْن) بأنه من أبرز مثقفي اليمن إن لم يكن أبرزهم في الساحة الثقافية، ولذا لابدع أن اختارته المحافل العلمية للمشاركة فيها في مجامعها في دمشق والأردن وبغداد والهند وبرلين. وفي خميسية حمد الجاسر في الرياض كان لروادها لقاءات معه في حياة الشيخ حمد وبعد وفاته، ولعل محبيه لم يعرفوا عن وفاته إلا برسائل منها، وقال عنه الشيخ حمد الجاسر: إنه أمد المكتبة العربية بستة وثلاثين مصدراً بين كتاب وبحث منشور في التاريخ في مختلف فروعه والتراجم والأنساب والعادات والتقاليد والجغرافية والآثار واللغة العربية.
عني الأكوع بالتاريخ الثقافي لليمن فأرخ لمدارسها في كتابه «المدارس الإسلامية في اليمن»، منذ بدء إنشائها في عهد الدولة الأيوبية سنة 569هـ ثم ازدهارها في عهد الدولة الرسولية ثم في الدولة الطاهرية فالدولة العثمانية، وأرخ لـ(193) مدرسة، عن إنشائها وعلمائها، وكل ما يتعلق بها، وتقع طبعته الثانية في 539 صفحة.
غير أن التاريخ الثقافي الذي تفرّد به الأكوع، كما تفرّد اليمن بموضوعه (حسب قوله) هو كتابه «هِجَر العلم ومعاقله في اليمن» الواقع في (5) مجلدات بلغت (3122) صفحة خلاف المقدمة التي جعل لها عنوان (المدخل إلى معرفة هجر العلم ومعاقله في اليمن) وقد أوضح اختصاص بلاد اليمن بها، وبما يتمتع به علماء الهجر وطلبتها من حماية ورعاية في بلاد القبائل بحيث تصل عقوبة المعتدي عليها إلى أربعة أمثالها.
واصطلح علماء اليمن على تسمية القرية التي يهاجر إليها عالم من العلماء راغباً عن سكنى المدن (هِجْرة)، فإذا ما اتخذ العالم تلك القرية دار إقامة له لنشر العلم، صارت مقصودة لطلاب العلم، يشدون إليها الرحال، ويتفق ذوو الشأن من رؤساء القبائل وزعماء العشائر على جعل تلك القرية (هجرة) بإصدار وثيقة تسمى (التهجير) يتعهد فيها أولئك الأعيان بحماية العلماء ورعايتهم وكفالتهم، فلا يدخلها الجنود في حال الصراع السياسي، ولا تقام في ساحاتها الألعاب المعتمدة على الطبل والمزمار، وأهلها مستثنون من التجنيد الإجباري، وتمكث كذلك إلى أن تزول عن ساكنيها صفة العلم بانتقال العلماء أو موتهم أو فشو الجهالة في خلفهم، وقال الأكوع: إن هذه الخصائص لا توجد في أي مركز من مراكز الثقافة في ديار المسلمين قاطبة.
وأقدم هجرة كانت سنة 285هـ، وقد رتبها المؤلف في كتابه على حروف المعجم، وبلغت (505) هجر مؤرخاً لظهورها ومواقعها وتراجم من نسب إليها أو سكنها، راجعاً إلى أمهات الكتب، ومشاهير العلماء ونوادر المخطوطات.
للأكوع مؤلفات كثيرة لكن «هجر العلم ومعاقله» سيبقى الأخلد بينها، ولا أظنه يوجد كتاب يماثله محتوى وجهداً، وهو نوع فريد من التاريخ الثقافي الذي تفرد به مثلما تفردت اليمن بهجر العلم، وهذا هو العالم الذي يموت جسمه ويبقى فكره، رحمه الله.
IBN-JAMMAL@HOTMAIL.COM
فاكس 012311053


للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 123 مسافة ثم الرسالة