منذ القرن الثاني للهجرة ظهرت دعوات صريحة لما عرف لاحقا بـ«تقنين الشريعة الاسلامية».
ومنذ ذلك التاريخ كان «التقنين» مثار اخذ ورد، وسبب خلافا واسعا بين جمهرة العلماء، ما وأد المشروع وهو لا زال جنينا يحبو.
وفي المملكة، ظهرت بوادر تقنين الشريعة مبكرا على يد احد المشايخ القضاة، وهو الشيخ احمد القاري المكي، الذي كان رئيسا للمحكمة الكبرى بمكة المكرمة، من خلال مؤلفه الشهير: (مجلة الاحكام الشرعية).
عام 1993 للهجرة، طرحت مسأة التقنين على طاولة هيئة كبار العلماء، التي رأت آنذاك ان المصلحة تقتضي صرف النظر عن التقنين، في قرار تحفظ عليه عدد لا يستهان به من الاعضاء.
ومؤخرا، عادت قضية التقنين الى الظهور بعد اعلان وزير العدل الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد آل الشيخ في عدد من المناسبات عن ان «هيئة علمية تتولى الآن صياغة فقه المعاملات والجنايات والأحوال الشخصية إضافة إلى ما يتطلبه القضاء في شكل مواد منذ شهر صفر الماضي، كما أن هذه الهيئة العلمية تدرس وضع حد أعلى للعقوبات التعزيرية لكل جريمة كي يستند إليها القاضي في حكمه».
وهو ما بعث الأمل من جديد في أن ترى هذه الصياغة النور قريباً وأن تكون بالشكل الذي يجعلها قادرة على تلبية احتياجات الوضع الراهن.

إبان حكم الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور كتب اليه ابن المقفع -الاديب الشهير- بالرسالة الانفة فيما عرف لاحقا بـ«رسالة الصحابة»، مشيرا عليه بأن يوحد ما يقضى به بين الناس في قانون يدونه ويختاره من آراء القضاة المجتهدين والفقهاء في ذلك العصر بعد تمحيصها والترجيح بينها.
بيَّن ابن المقفع في رسالته -(الرسالة منشورة في كتاب «جمهرة رسائل العرب» لأحمد زكي صفوة، ج3 رقم الرسالة 26)- حال اختلاف القضاة المجتهدين، وكيف إن الأمر الواحد يقضي فيه أحد القضاة المجتهدين برأي، ويقضي غيره في نظيره بخلافه، في الأموال والأنكحة وغيرها.
وقد أراد أبو جعفر المنصور ومن بعده الرشيد أن يختار مذهب الإمام مالك وكتابه «الموطأ» ـ الذي جمع فيه أحاديث مرسلة ومتصلة وفتاوى الصحابة وأقضيتهم وأقوال التابعين وآراءه الفقهية قياساً على الآثارـ قانوناَ قضائياً فنهاهما مالك من ذلك وقال: «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب».
جاءت «رسالة الصحابة» استجابة في تلك الفترة للتنوع الفقهي من جهة، وتبلور الإمبراطورية الإسلامية وحاجاتها كدولة، ما اوجد الحاجة لتقنين الأحكام الشرعية لكي يتقيد القضاء الإسلامي بأحكام مقننة معينة لكي يعلم الناس سلفاً ما تخضع له معاملاتهم وعقودهم من الأحكام، فيكونوا على بصيرة من صحتها وفسادها.
ووفقا لهادي محمود، الباحث الشرعي، فقد كان الإمام مالك: «محقاً في رأيه. ولكن رأي ابن المقفع وما أشار به على الخليفة العباسي لم يكن منطلقاً من حمل الناس على مذهب معين لأي مجتهد كان. لقد كان رأي ابن المقفع تأسيساً لفكرة دولة القانون، المصطلح الذي يجري الحديث عنه في الأدبيات السياسية والقانونية المعاصرة، واستند في رسالته على فكرة الاستفادة من ثمرات اختلاف الاجتهادات».
غير ان اولى المحاولات لتقنين الاحكام كانت بدأت في القرنين الماضيين، منها (الفتاوى الهندية) لجماعة من علماء الهند، لتقنين العبادات والعقوبات والمعاملات، ومجلة (الأحكام العدلية) التي تضمنت جملة من أحكام البيوع، والدعاوى، والقضاء وصدرت هذه المجلة عام 1869م، واحتوت على 1851 مادة استمد أغلبها من الفقه الحنفي، وقد ظلت هذه المجلة مطبقة في أكثر البلاد العربية إلى أوساط القرن العشرين.
وبحسب سلطان بن عثمان البصيري، عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والباحث القانوني، أمر السلطان محمد عالمكير أحد ملوك الهند في القرن الحادي عشر الهجري: «لجنة من مشاهير علماء الهند برئاسة الشيخ نظام بأن تضع كتاباً جامعاً لظاهر الروايات التي اتفق عليها في المذهب الحنفي، فجمعوا ذلك في كتاب معروف بالفتاوى الهندية، ولكن جمعهم لم يكن في طريقة التبويب والتقعيد على نمط التقنين وإنما هي فروع فقهية واقعية ومفترضة تذكر فيها الآراء ثم القول الذي تختاره اللجنة».
ويتابع: «عند بداية تأسيس المحاكم النظامية في الدولة العثمانية صدرت إرادة سلطانية (أمر سلطاني) بتأليف لجنة لوضع مجموعة من الأحكام الشرعية التي هي أكبر من غيرها دوراناً في الحوادث فوضعت اللجنة مجموعة أحكام هي مواد مجلة الأحكام العدلية، وهذه الأحكام منتقاة من قسم المعاملات من فقه المذهب الحنفي الذي عليه عمل الدولة، وقد أخذت بالأقوال المرجوحة في المذهب للمصلحة الزمنية، وبعد ذلك صدرت إرادة سلطانية بلزوم العمل وتطبيق أحكامها في محاكم الدولة.
ثم عملت الدولة العثمانية بتنفيذ فكرة تم طرحها، وهي فكرة الاستفادة من مختلف المذاهب الفقهية عن طريق التقنين في أحكام الأحوال الشخصية، وصدر قانون حقوق العائلة.
وفي القرن الثامن عشر الميلادي خطت مصر في الأخذ من مختلف الاجتهادات فأصدرت القانون رقم (25).
ثم ان الخديوي إسماعيل رفض الأخذ بقانون مجلة الأحكام العدلية حباً في الاستقلال، فاتجه إلى قانون نابليون، وكان ذلك بحجة امام مشيخة الأزهر وهي ان كتب الفقه الإسلامي لا يمكن التقنين منها، فأحدث ذلك ضجة، وظهر رأي بإمكانية التقنين من الفقه الإسلامي كما رآه وأرشد إليه الشيخ قدري باشا، ولكن أصبحت بعض القوانين خليطاً من المواد الموافقة للشريعة والمخالفة لها».
لكن.. ما هو التقنين؟

يعرف الدكتور وهبة الزحيلي «التقنين» بأنه: «صياغة أحكام المعاملات وغيرها من عقود ونظريات ممهدة لها جامعة لإطارها في صورة مواد قانونية يسهل الرجوع إليها». فيما عرفه بعض الباحثين بأنه: «صياغة الأحكام الفقهية ذات الموضوع الواحد التي لم يترك تطبيقها لاختيار الناس، في عبارات آمرة يميز بينها بأرقام متسلسلة ومرتبة ترتيبا منطقيا بعيدا عن التكرار والتضارب».
ويرى د.عبد الرحمن بن أحمد الجرعي، الاستاذ المشارك بقسم الفقه -كلية الشريعة- جامعة الملك خالد، ان التقنين في حقيقته: «إلزام القاضي بالقضاء بأحكام معينة لا يتجاوزها مهما خالفها اجتهاده لو كان مجتهدا».
ويلفت الجرعي الى مسألة هي أصل لمسألة التقنين، كان تكلم عنها الفقهاء الأقدمون رحمهم الله: «وهي حكم إلزام القاضي بمذهب معين لا يقضي إلا به». مبينا انهم انقسموا حولها الى رأيين: «القول الأول: لا يجوز إلزام القاضي بالحكم بمذهب معين، واشتراطه على القاضي باطل غير ملزم. وهو قول عند المالكية، والراجح عند الشافعية وبه قال الحنابلة وقال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافا.
اما القول الثاني: فيجوز الإلزام بالحكم بمذهب معين ويصح اشتراط الحاكم على القاضي أن يقضي به. وإلى هذا القول ذهب الحنفية وهو قول عند المالكية وبه قال السبكي وغيره من الشافعية».
منشأ الخلاف

وعلى اية حال اثار التقنين منذ ظهوره خلافا طويلا بين جمهرة العلماء، في ظاهرة يعزوها عبدالله بن محمد عمر طه، الباحث القانوني، الى ما يصفه بسوء فهم لدى البعض لمسألة التقنين: «فالبعض يعتقد خاطئاً أن التقنين يؤدي إلى الجمود وغلق الباب أمام الاجتهاد أو يحد من التعاطي مع القضايا المطروحة والمستجدة ومواكبتها بالتشريعات اللازمة والمناسبة».
ويضيف إن الدول التي أخذت بعملية التقنين في تشريعاتها المختلفة: «لم تغلق الباب أمام العرف ولا أمام النهل من الاجتهادات والمدارس المختلفة التي تضمنها الفقه الإسلامي، فالقاضي يحكم بالقضية بموجب النص المقنن أولاً، فإن لم يجد فيحق له الرجوع إلى الشريعة الإسلامية بكل مدارسها ومذاهبها فإن لم يجد فله الأخذ بالعرف ما لم يكن مخالفاً للقانون وبالتالي فإن التقنين عملية فنية بحتة، ولكن لها جانباً حقوقياً كبيراً يتمثل في تحديد الحقوق والواجبات بشكل علني ومسبق حتى يعرف كل مواطن ما له وما عليه ولا يترك للاحتمالات والتعسفات».
ويعتقد طه ان التقنين: «لا يعني فقط إفراغ القواعد القانونية في صيغة مواد محددة ومرقمة، ولكن السلطة التنظيمية موجودة ويفترض أنها تواكب التطورات بإصدار التنظيمات المناسبة لها وبما يتوافق مع المستجدات في المجالات كافة، وبالتالي فإن التقنين ليس مرحلة نهائية، ولكنه مرحلة مفتوحة ومتجددة، بل هو قاعدة للانطلاق»، مستشهدا بمجلة الأحكام العدلية الصادرة في عهد الدولة العثمانية عام 1293 هـ: «فهذه المجلة تعد الكتاب الذي يمثل تقنين أحكام الشريعة الإسلامية فقد فطنت الدولة العثمانية منذ ذلك الوقت إلى أهمية التقنين والدور الذي يلعبه في عصر الدولة المتداخلة التي تعقدت فيها الروابط الاجتماعية وأصبح من الضروري أن يعلم الفرد ما له وما عليه بالشكل الذي يكفل له حقوقه، وهذا مما يؤكد دور القضاء الساعي إلى إنزال الوقائع المعروضة أمامه على النصوص (التطبيق)، فهذه المتون الفقهية على اختلاف مذاهبها تعد من قبيل ما نتحدث عنه هنا، فالمستقرئ لهذه المتون في طريقة سبكها ووضعها في كثير من الأحيان بدون أدلتها الشرعية يجدها تقترب من فكرة القوانين بوضعها حديثاً مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات من حيث طبيعة كل منهما والغرض الذي أعدت له».
تجربة محلية

بدأت اولى بوادر الاتجاه نحو التقنين في المملكة عام 1347هـ، وقد تمثل ذلك في القرار رقم 3 الذي اصدرته الهيئة القضائية في السابع عشر من شهر محرم المقترن بالتصديق العالي بتاريخ 24/ 3/ 1347هـ، وجاء فيه: « أ- أن يكون مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبقا على المفتى به من مذهب الإمام أحمد بن حنبل نظرا لسهولة مراجعة كتبه والتزام المؤلفين على مذهبه ذكر الأدلة إثر مسائله.
ب- إذا صار جريان المحاكم الشرعية على التطبيق على المفتى به من المذهب المذكور ووجد القضاة في تطبيقه على مسألة من مسائله مشقة ومخالفة لمصلحة العموم يجري النظر والبحث فيها من باقي المذاهب بما تقتضيه المصلحة ويقرر السير فيها على ذلك المذهب مراعاة لما ذكر.
ج- يكون اعتماد المحاكم في سيرها على مذهب الإمام أحمد على الكتب الآتية: شرح المنتهى وشرح الإقناع. فما اتفقا عليه أو انفرد به أحدهما فهو المتبع، وما اختلفا فيه فالعمل على ما في المنتهى، وإذا لم يوجد بالمحكمة الشرحان المذكوران يكون الحكم بما في شرحي الزاد أو الدليل إلى أن يحصل بها الشرحان وإذا لم يجد القاضي نص القضية في الشروح طلب نصها في كتب المذهب المذكور التي هي أبسط منها وقضى بالراجح».
غير ان الباحث البصيري يؤكد ان القرار الآنف، لا يمكن ان يكون قاعدة للتقنين في الاحكام القضائية بالمملكة: «القرار واضح في عدم الالزام بالكتابين، إضافة إلى أنه يمكن للقاضي في المملكة الحكم بما وافق الدليل كما أشار إلى ذلك فضيلة وكيل وزارة العدل للشؤون القضائية سابقاً د. سعود الدريب في صدر رسالته الدكتوراه». لكن، ربما لا يعرف كثيرون ان تاريخ تقنين الفقه الاسلامي في المملكة، يعود الى العشرينيات من القرن الميلادي الماضي.
إذ يجزم الدكتور زياد بن احمد القرشي، استاذ القانون بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ان ذلك: «كان على يد احد المشايخ القضاة، وهو الشيخ احمد القاري المكي، الذي كان رئيسا للمحكمة الكبرى بمكة المكرمة».
ويبين القرشي ان الشيخ القاري: «وضع قواعد فقه المذهب الحنبلي في صورة مواد قانونية تحت عنوان مجلة الاحكام الشرعية التي كانت عبارة عن مدونة صاغ فيها الشيخ موضوعات المعاملات ومسائل القضاء في قالب حديث على النسق الذي سيقت به مجلة الاحكام العدلية العثمانية التي كانت اول تقنين لفقه المذهب الحنفي، المذهب الرسمي للخلافة العثمانية».
وهو ما يتفق معه فيه الكاتب محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ الذي يؤكد ان مجلة الأحكام الشرعية التي حققها الدكتور عبد الوهاب ابو سليمان، أحد أعضاء هيئة كبار العلماء السابقين: «كانت أول محاولة في تاريخ المملكة لتقنين الشريعة».
ووفقا للمحامي فيصل بن مشعل الجربا فقد فكر المغفور له باذن الله الملك عبد العزيز: «في تكوين لجنة فقهية لتأليف مجلة للاحكام الشرعية على غرار مجلة الاحكام العدلية العثمانية على ان يتم استنباطها من كتب المذاهب الاربعة دون تقييد بمذهب دون اخر، بل تأخذ ما صالح للمسلمين».
ويستدرك: «الا ان بعض العلماء لم يتحمسوا للفكرة خاصة وان انجازها يتطلب وقتا طويلا. لذا فقد امر جلالته بتحديد المصادر المعتمدة والمراجع الاساسية في القضاء وهي: الاقناع وكشاف القناع ومنتهى الارادات والمغني والشرح الكبير».
ويؤكد الجربا ان دعوة الملك عبد العزيز هي التي دفعت الشيخ احمد القاري الى تأليف مجلة للاحكام: «في اطار المصادر والمراجع التي حددها المرسوم الملكي، فقام بصياغة الاحكام الفقهية من هذه الكتب صياغة جديدة. ولا زالت هذه المجلة مرجعا غير رسمي للمحامين عند اعداد دفوعهم والاستناد الى موادها في مذكراتهم».