الاقتراب من المضيق احدى قرى السيل يجعلك تفكر في المعنى والمغزى من التسمية، لكن بمجرد الاقتراب من الموقع تجزم ان الاسم ظلم المكان فتلك الوهاد المعشبة بالنسائم و النخيل الذي يكرم الظل والعيون المتدفقة بالجمال لا تحكي شيئا من ذلك الضيق أو حتى المضيق ؟
وادي الليمون الأشهر على مدى الازمان يتراقص متناغما بصدى جبال تردد شموخ الرجال، بيوت الحجر و الطين هناك تحدثك عن إرث و حكايات لا تصمت.
كان يمكن آلا أستمع لكل ذلك حينما تهرب بعض من أبناء المضيق عن مساعدتي في التجوال بينها، توقفت بعدما استوقفني طريق الصخور رافضا عبور سيارتي المترفة عليه، استعنت ببعض السكان لكنني لم أجد مبادرا رغم أنني قادم لهم للاستماع لنبضهم ؟
لجأت لمركز الإمارة، لكنني وجدت التحفظ مع الاعتذار.
ماذا أفعل ؟ بعض الأهالي ينظر إلي كغريق ، وما ان اطلب منهم نقلي بسيارتهم يبتعد بعضهم و يبتسم آخرون تحرجا.?فكرت في ( شطب ) المضيق من جدول جولتي، و خصوصا عندما وجدت بعضهم لا هم له إلا أن يبدد وقتي بغير الثرثرة اوالكلام.
قررت الانسحاب لولا تصادف تواجد رجل شهم لحظة جلوسي أمام باب مركز الامارة..
الرجل الشهم تفهم الرجل مهمتي و أدرك حالة الأسى داخل نفسي التي تركها انطباعي عن بعض من التقيتهم من أهالي المضيق، حملني الرجل في سيارته حتى باب بيته ثم أيقظ ابنه و أمره ألا يتركني مادمت لم أنته من جولتي.
الرجل الشهم يدعى العم ( محمد بن عبيد الله المسعودي ) و ابنه الشاب ( فهد )، والذي ما ان اصطحبني حتى بادرني بالقول ..هذا بيت جدي يا صاحبي، بناه بيديه و لملم أحجاره من سفوح الجبال و عجن طينه من تراب الوادي.
وواصل فهد الحديث.. كان اجدادي هنا أنفاسا ترتوي من عيون الماء العذبة الأكثر تدفقا في المنطقة، وتعد عين المضيق أشهرها و إليها ينسب المكان، ولقد بقيت العين على حالها و لم يتوقف جريان مائها إلا مؤخرا ؟ حيث كانت تتناثر حولها بستاتين أجدادي من جوافة ، و الليمون ، و موز المضيق المميز بحلاوته المختلفة والحجم الصغير حتى كان مطلب القادمين و مقصد الضيوف و العابرين ؟
ودعاني فهد الى تأجيل حديث البساتين و الاستماع الى تاريخ المكان من أبيه الذي عاصر اخضرار المضيق و تغنى بها في يوم ما مثلما تغني بالقصيد شعراء الوادي.
جيل أصيل
عدنا الى العم المسعودي من جديد، والذي يعد من أعيان المكان ، والمشهور بحكمة الرجال الأوائل فتألفه حالما تنظر إليه و لا غرابة ، فالجميع هنا لا يحملون له سوى بياض المحبة، يحتفي بالقادم مهما كان و يعرف عنه استقطاب الضيوف حبا و شيمة و أخلاق بادية، وما ان جلست في ظلال حقله و أنصت له حتى بادر بسرد قصته وقال ولدت يتيما فتحملت عبء الحياة مبكرا ، وورثت هموم الزراعة و اشتغلت في الارض ؟
ولم تكن هموم الزراعة شيئا ؟ بل كنت أكثر ارتياحا بالعمل في حقول الليمون و الموز والخضار، الماء كان يأتينا من عين المضيق فيتدفق بقوة و كانت كل الحقول الزراعية المنتشرة هنا أو هناك تشرب إلى حد الارتواء، و لم نكن بحاجة الى حفر للآبار فالعين تجري بلا انقطاع.
ويواصل.. كانت هناك حياة، و عندما بدأ منسوب العين يتناقص اضطررنا الى حفر الآبار و مع ذلك لم يكن الماء بعيدا فعشنا و عاشت أسرتي من ذلك العطاء.
ورغم ذلك لم تكن هناك حاجة للرحيل عن الوادي ولهذا كان الجميع يعمل و يكسب رزقه من خيراته، الشباب بجوار أبائهم الطاعنين في السن و حتى الاجداد لكن عندما وصلت الامور الى درجة جدب الآبار و شح المياه غادر الكثير وارتحل الأغلب من السكان باتجاه مكة أو الطائف و جدة.
تناثروا هناك و ابتعدوا مخلفين آثارهم و آثار أجدادهم ورغم أنني هجرت الزراعة فترة من الزمن وارتحلت مثلهم إلا أنني لم أستطع الابتعاد طويلا، فقررت العودة الى دياري أحرث الأرض من جديد وأحفر بئرا تتلوها أخرى وكلما شحت إحدها حفرت أخرى و هكذا أبقيت حقول أبي يانعة بالاخضرار و إن كانت بشكل أصغر.
الوضع الصعب
أما بالنسبة للمضيق في الوقت الحالي فالحال بات أكثر صعوبة و خصوصا مع تغير حياة الناس عن السابق، فمثلا كنا بحاجة ماسة الى وجود شبكة مياه تمتد الى بيوتنا و ظللنا فترة طويلة نحمل المياه من الأبار البعيدة عن طريق الوايتات و التي يصل سعر الواحد منها إلى مئتي ريال لكن و الله الحمد قام فاعل خير ( الشيخ عطا الله المسعودي ) جزاه الله ألف خير ببناء ذلك الخزان الضخم ووضع له ( ماتورا ) يسحب المياه من إحدى الابار، ليقوم كل ساكن بمد ( ليات الماء ) الى خزان بيته، مما خفف عن الأهالي هم وتكاليف الحصول على الماء.
لقد رأيت الطريق .. سألني العم محمد، وواصل.. رأيت بعينك استحالة السير بسيارتك العادية فيه ، و هذا ما دفع أغلب سكان المضيق الى شراء الوانيت و المقتدر منهم اشترى سيارات الدفع الرباعي، الطريق ( وعر ) و غير ممهد و هذا يعجل بهلاك السيارة و نضطر عند قدوم أقارب لنا أو حتى أبنائنا الى إيقاف سياراتهم عند نهاية الطريق المسفلت أمام مركز الامارة هناك و ننقلهم بعد ذلك عبر الوانيت الى هنا مما يمثل مشقة، ولقد كتبنا و طالبنا بضرورة سفلتة طريق المضيق، ولو تم ذلك فإن الطريق لا يخدم منطقتنا وحدها.
الصحة
وما ان استفسرنا عن الوضع الصحي حتى بادر فهد بالتحدث عنها وقال يوجد في المضيق مركز للرعاية الصحية يقوم بعمله خير قيام لكن لا يوجد طبيب مقيم بل يتواجد خلال عدد من الأيام و يكمل بقية أيام الاسبوع في قرية ( الشامية )، و عدد السكان بالمضيق يقتضي ضرورة توفر طبيب مقيم اضافة الى الممرضات المتواجدات واللاتي لا يترددن في تقديم الاسعافات الأولية في أي وقت من الليل أو النهار .
ويضيف ان المشكلة في تعرض أحد السكان لأي مرض طارئ أو لدغة ثعبان أو عقرب و في هذه الحالة نضطر للركض باتجاه مكة المكرمة و التي تبعد حوالى ستين كيلو مترا من هنا، وبالطبع عامل الوقت ليس في صالح الحالة المرضية الطارئة أيا كانت و لك أن تحسب الفترة الزمنية التي يستغرقها الوصول الى المستشفى اذا كان الطريق سالكا و لا توجد كثافة مرورية خاصة في ظل حركة الشاحنات من و إلى الطائف أو الرياض.
لا يوجد في المضيق سوى مدرسة ابتدائية بالنسبة للفتيات و لهذا يجبر الاهالي على استئجار سيارات تقلهن الى مكة المكرمة لمواصلة تعليمهن في المرحلتين المتوسطة و الثانوية، فيخرجن صباحا مع اذان الفجر و لايعدن الى المنازل الا على مشارف العصر. و كذلك الحال بالنسبة لكليات البنات التي تغيب كغياب التعليم العام.
يقول العم محمد ان السكان تفاجأوا حينما تقدموا بطلب قروض من بنك التنمية العقاري بعدم إدراج المضيق ضمن خطط البنك الاقتراضية، وعدم امكانية صرف اي قرض للسكان. فتقدمنا بعدة طلبات لتمكيننا من الاقتراض من البنك العقاري أسوة ببقية القرى المجاورة، وأغلب قرى الطريق تم وضعها ضمن قائمة المستفيدين من قروض البنك العقاري إلا المضيق، ليدور السؤال لماذا ؟ و من المسؤول عن عدم إدراج ( المضيق ) كغيره ؟ و لماذا نحرم في المضيق من معونة قدمتها الدولة حفظها الله لمواطنيها عموما.
ويضيف.. حاولنا الاستفسار وخاطبنا البنك و مركز الامارة هنا لكن لم نحصل على رد أو إيضاح حيال ذلك و لهذا أتمنى أن ينظر المسؤولون في موضوعنا و أن يمنح سكان المضيق فرصة التقديم كبقية سكان الهجر و القرى.
الخدمات الاخرى
و يتداخل ( فهد ) و يشاطره عريمط بن سليمان المسعودي وقال لا نستفيد من خدمة الهاتف الجوال إلا بجوار مركز الامارة حيث تستقبل الاشارة برجا واحدا أو برجين و متى جاءت ( السموم ) تختفي الاشارة نهائيا كما أن الاتصال في أحسن أحواله لا يدوم أكثر من دقيقتين و ينقطع وذلك بسبب أنه لا يوجد برج قريب من المضيق و البرج الذي نلتقط منه يبعد كثيرا عن الموقع، ونحن بحاجة لوضع برج خاص حتى يتمكن سكان المضيق من الاتصال. اما عبد الله بن احمد الحارثي الشريف الذي يسكن غير بعيد من مركز الامارة و مع ذلك لازال بيته بلا كهرباء يقول قدمت طلبا لشركة الكهرباء و استكملت كافة أوراقي لكن حتى هذه اللحظة لم يصل التيار و اضطر كما ترى للجلوس دائما بجوار باب المنزل نتيجة لشدة الحرارة بالداخل والمنطقة عموما بحاجة أيضا الى مركز للدفاع المدني بسبب أن الخدمة لا تتوفر الا من خلال فرقة تقطع نحو ستين كيلو مترا من مكة للوصول الى المضيق.
جفاف الآبار عجل برحيل الأجداد
المضيق محروم من القروض العقارية
15 أغسطس 2008 - 21:08
|
آخر تحديث 15 أغسطس 2008 - 21:08
المضيق محروم من القروض العقارية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
جولة و تصوير: حسين الحجاجي 1