وفقا لعدم مركزية اختبارات الثانوية العامة لهذا العام، يتوقع ان يتجاوز عدد الناجحين بتقدير ممتاز وجيدجدا 170 ألف طالب وطالبة.. معنى ذلك ان يزيد التنافس على المقاعد في الجامعات. وفي حين يكشف وكيل وزارة التعليم العالي للشؤون التعليمية الدكتور محمد العوهلي عن أن القبول في الجامعات والكليات هذا العام سوف يزيد على 300 ألف للخريجين والخريجات من الثانوية العامة، يوضح ان 80% من الطاقة الاستيعابية مخصصة للجامعات حيث تم رفع المقاعد المتاحة في الجامعة الناشئة حديثا بنسبة 60% عن العام الماضي وسوف يكون هناك اقسام وتخصصات جديدة يتطلبها سوق العمل، ذلك ان دراسات علمية متخصصة في تنمية الموارد البشرية اشارت الى أهمية التنوع في قبول خريجي الثانوية العامة وتوزيعهم بنسب تتماشى مع المعايير العلمية وتواكب التطور الذي يشهده سوق العمل.
تؤكد هذه الارقام والاحصائيات حقيقة هامة هي ان قبول خريجي الثانوية العامة هذا العام سيكون بأعداد لم يسبق لها مثيل في الأعوام السابقة بنسبة قد تصل الى 100% في 20 جامعة حكومية اضافة الى جامعة الملك عبدالله و4 جامعات أهلية و18 كلية.. ولكن يبقى السؤال: هل تنتهي مشكلات القبول والتسجيل في الجامعات عند هذا الحد؟
وهل يكفي ان يحصل الطالب أو الطالبة على معدل 98.95% ليضمن مقعده في الجامعة أم سيكون لاختبارات القدرات الكلمة الأخيرة والحاسمة التي تحدد القبول في الجامعة من عدمه؟
ثم إلى أين يذهب فائض الخريجين؟.. وما هي البدائل التي أعدت لهم سواء أكانت كليات ومعاهد تقنية أو تأهيلهم في أماكن أخرى لدخول سوق العمل؟
وأسئلة شائكة تثيرها قضية القبول في الجامعات في رسم ملامح المستقبل لآلاف الخريجين والخريجات من الثانوية العامة.
البحث عن مقعد جامعي
ان من أولى المشكلات التي ستواجه الخريجين بعد تسلمهم شهادات تخرجهم هي البحث عن مقعد جامعي اذ ما تزال الجامعة حلم كل خريج وخريجة فضلا على أنها حق مشروع للجميع، ويساعد على ترسيخ هذا الحُلم ثقافة المجتمع التي تمنح الخريج الجامعي التقدير والاحترام أكثر من خريج الكليات التقنية.
ثم تأتي مشكلة اختيار التخصص.. هل يتم حسب رغبة الطالب أم رغبة العائلة أم المعدل واذا تجاوزنا كل ذلك هل يكفي المعدل المرتفع وحده لدخول هذه الكلية أو تلك.
مسؤولون واكاديميون وتربويون ومعنيون بالتعليم العالي يتناولون هذه الاشكاليات بالبحث وابداء الرأي حولها ومقترحين الحلول.
صراع الاختيار
بدايــة يعقـــد الدكتور غيثان الجريسي رئيس قــســـــم التاريخ في جامعة الملك خالد بأبها مقــــارنة بين مــــا يحدث في اختيار نوع التخصص الذي يريده الشاب في الدول المتقدمة وما يحدث عندنا حيث الطـــالب هنـــاك يختار التخصص الذي يميل اليه ويرى نفســه انه سوف يواصل دراسته فيه وبالتالي يستفيد ويفيد دون توجيه أو ضغط من ولي أمره أو تدخل من الجامعة التي تقدم إليها وهــــو على العكس مما يحدث عندنا، عـــندما يتعرض الشاب أو الـــفـتـاة الى ضغوط نفـــسية من الأســـرة وحتى الجيران لاختيار هذا التخصص أو ذاك من منطلق الحرص على مستقبلهم وتحقيق رغبة الوالدين أو احدهما في ان يرى ابنه طبيبا أو مهندسا يشار اليه بالبنان.
مثل هذا التدخل في توجيه الطلاب للتخصصات التي يرغب فيها الأهل لا الطلاب انفسهم فيه تدمير لهؤلاء الابناء كما يرى الدكتور غيثان وخسارة كبيرة على المجتمع، وعليه يتوجب على الأسرة أن تتفهم ميول ابنائها وطموحاتهم وألا ترغمهم على الالتحاق بتخصص لا يرغبون فيه مما يحرم المجتمع من نوابغ في مجالات عديدة.
اختبارات القدرات
ثم تأتي على ذلك اختبارات القدرات وهي الخطوة التي أقدمت عليها وزارة التعليم العالي بعد ان انشأت المركز الوطني للقياس والتقويم الذي تولى ابتداء من عام 1423/1424هـ اختبارات القدرات للقبول في بعض الجامعات لقياس قدرات الطلاب المتقدمين دون ان يكون بديلا لنظام اختبارات الشهادة الثانوية لما فيها من حيادية وموضوعية لأن هناك من الطلاب من كان يشتكي من اختبارات القبول ويشكك فيها ومن هنا فإن اختبارات القدرات سوف تساعد في اختيار الطالب الأفضل لدخول الجامعة وليس شرطا ان الذي حقق نسبة متدنية في الثانوية العامة هو طالب سيء انما تحصيله العلمي لم يكن جيدا لكن هذا لا يمنع ايضا من ان يكون الطالب ذا قدرات عالية جدا فيما لو حقق درجات عالية في اختبارات القدرات والقبول وبذلك تكون اختبارات القدرات قد ساهمت في ايجاد حل لما يعانيه الطلاب وأولياء أمورهم في سبيل الحصول على مقاعد في الجامعات اسهاما في تخفيف الكثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها كل بيت لديه ابن أو ابنة في بداية كل عام دراسي جديد!
وهو ما يؤيده ايضا الدكتور منصور علي القحطاني عضو هيئة التدريس بنفس الجامعة الذي يرى دونما مبالغة ان المعدل الذي يحصل عليه الطالب اصبح ليس له أي وزن في عملية القبول وهذا ما نسمع به عنه في حالات كثيرة ابرزها ان فلانا وفلانة لم يقبلا في تخصص ما على الرغم من حصولهما على معدل عالٍ مثلا 98 أو 99% وان كان لهذا من تبرير فكما هو متداول في الأروقة الاكاديمية -وهذا ليس بمستبعد- ناتج عن تضخيم غير حقيقي لمعدل الثانوية، بمعنى ان معدل الثانوية لا يعكس التحصيل العلمي الحقيقي كما كشفت عنه نتائج اختبارات القبول أو المقابلة الشخصية، وبذلك اصبح مدلول معدل الثانوية فقط شرطا لتأهيل الطالب لدخول اختبارات القدرات أو المقابلة الشخصية لجامعة ما أو تخصص ما.
والقضية من منظور الدكتور منصور لا تنتهي عند معدل درجات السنوات الثلاث بالثانوية ولكن المفروض ايضا ان يكون هناك اختبار لتحديد قدرات الطالب يخضع له جميع خريجي الثانوية العامة الراغبين في الانخراط في الدراسة الجامعة على مستوى المملكة على غرار ما يحدث في العالم، ففي امريكا مثلا يأخذ الطالب ما يُسمى بـ SAT ويكون هذا مقياسا لقدرات الطالب ويسترشد به اضافة الى علامات الثانوية.
مركزية القبول
والآن.. كيف نوجد الحل لهذه المعضلة التي ستواجه الخريجين الراغبين في الالتحاق بالجامعة على اختلاف معدلاتهم.
الدكتور منصور يرى ان من الضروري ان تكون آلية القبول كلها بادارة وزارة التعليم العالي وبالتحديد فهو يدعو الى توحيد عملية القبول ومركزيتها في هذه الوزارة للأسباب الآنفة الذكر، اضافة الى مشكلة قائمة وملحة تتمثل في ضيق فترة القبول واصرار الجامعات على تسليم الوثائق الأصلية مما يضيع الفرصة على طالب ممتاز لم يوفق في جامعة فتفوته فرصة القبول في جامعة اخرى فيكون جليس البيت.
ويكمن المحك في كيفية تشغيل هذه الآلية وهذه النقطة بالذات حيث يرى انها تحتاج الى دراسة مستفيضة لضمان نجاحها، لأنه ليس من العدل أو الحكمة طرحها في هذه العجالة ولكن الأمر ببساطة يتمحور في ان يسلم الطالب الراغب في الدراسة الجامعية أوراقه الأصلية للوزارة وفي نفس الوقت يعيد الطالب التخصصات التي يرغب فيها مُدرجة تنازليا حسب رغبته مستعينا في ذلك بقائمة معدة من قبل الوزارة تحوي جردا لكل التخصصات الموجودة ومن خلال عملية دقيقة يتم دراسة شهادات الطالب ونتائج امتحان القدرات ورغبته ليتم توجيهه للتخصص حسب رغبته وحسب قدراته وذلك على ضوء تجربة الأخوة في مصر حيث يكتب الطالب اثناء تقدمه للقبول 48 تخصصا يرغبها وان كان لا يدري كيف توصلوا الى هذا الرقم؟!
سنة تأهيلية
ويرى الدكتور عبدالله حامد عيد عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد بأبها الحل في تعديل نظام القبول بالجامعات بدراسة ميول الطالب الذي يدرس في التوجيهي واعداده إعدادا جيدا لدخول الجامعة وفي حالة تعذر ذلك يعمل في تلك الكلية سنة دراسية لاعداد الطالب للدراسة في الجامعة التي يصلح لها لتعم الفائدة.. ذلك ان كثيرين من الخريجين يصابون باحباط عندما يذهبون الى الجامعة فيتفاجأون باختلاف كبير في الدراسة.
وهو بذلك يتفق مع من سبقوه في أن الحصول على معدل دراسي عالٍ اصبح ليس بالضرورة الطريق الموصل للالتحاق بالجامعة والسبب هو ان الجامعات جعلت من اجتياز اختبارات القبول الذي تفرضه شرطا أساسيا للانخراط في تخصصاتها.
مخرجات التعليم
وتبقى مشكلة فائض القبول التي يرى الدكتور عبدالرحمن الجهني رئيس لجنة السعودة بالمدينة المنورة سابقا من واقع دراسة اعدتها اللجنة بعنوان «البطالة.. الأسباب وطرق المعالجة « ضرورة إعادة النظر في مخرجات التعليم والتركيز على التخصصات التي يحتاجها سوق العمل في المرتبة الأولى وتوطين الوظائف والسعودة، اضافة الى تنمية القوى البشرية الوطنية وتأهيلها عن طريق زيادة نسبة القبول في الجامعات مع التركيز على كليات التقنية ووضع استراتيجية شاملة لصندوق تنمية الموارد البشرية تركز على زيادة القدرة الانتاجية للشباب السعوديين ومساعدة المرأة القادرة على ان تعمل والاهتمام والتوسع في برامج التدريب وتعزيز دور القطاع الخاص وقيام البنوك بدور ايجابي في دعم الشباب من خلال تقديم القروض الميسرة لهم لمن أراد ان يفتح له مشروعا تجاريا وتشجيع الشركات والمؤسسات الوطنية الكبرى على القيام بمشاريع لتأهيل السعوديين وانشاء جهاز حكومي متخصص للقوى العاملة يناط به كل ما يتعلق بالتدريب والتوظيف ودمج وزارة الخدمةالمدنية ووزارة العمل بمصلحة واحدة.
اضطراب شخصية العاطل
ويذكر الاخصائي النفسي الدكتور حسن ثاني في نهاية هذه القضية بأن خريج الثانوية الذي يعجز عن الحصول على وظيفة أو مقعد جامعي قد يتعرض الى كثير من مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي اضافة الى الاضطرابات النفسية والشخصية والشعور بعدم الرضا والعجز وعدم الكفاءة مما يؤدي الى اعتلال الصحة النفسية لدى العاطلين.
