".. إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد".. هكذا وصف الله عز وجل "إرم"، "لم يخلق مثلها في البلاد" ولا يشبهها شيء في كل مدن الدنيا.. ووفقا لهذا الوصف القرآني الذي لا يقبل الشك أو الجدل.. لا يمكن ان يكون الموقع المكتشف في صحراء "شصر" في الربع الخالي في سلطنة عمان هو "إرم" ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد.. فلا المكتشفات في الموقع ولا الآثار الشاخصة هناك تتميز بأي نوع من الفرادة التي يمكن ان تميزها عن غيرها من المدن الأثرية المكتشفة في شبه جزيرة العرب عامة، وفي "ظفار" بسلطنة عمان بشكل خاص..
على الرغم من هذه الحقيقة التي يثبتها الواقع على الأرض في موقع "شصر" أو "وبار" إلا ان كثيرين ما زالوا يعتقدون بأنها "إرم" ولا يقبلون الجدال في ذلك ممن هم خارج عُمان.. أما العمانيون فلا يعتقدون بذلك بتاتا، لا على المستوى الرسمي ولا الشعبي بل ان الأمر يتعدى ذلك بكثير عندما يتبنى هذا الاصرار على ان الموقع المكتشف في الصحراء العمانية هو "إرم"، علماء كبار ومعتبرون على مستوى العالم الاسلامي ولهم كلمتهم المسموعة وآراؤهم التي يتبعها ويتبناها الكثيرون من المسلمين في شتى بقاع الأرض.. ويذهب بعض هؤلاء العلماء بعيدا في اصرارهم على أنها "إرم" الى تكفير أو تذنيب من يخالف هذا الرأي ويتهمونه بالمخالف للقرآن الكريم والمتآمر على الاسلام مع اليهود الذين يهمهم تزييف كل ما يتعلق بـ"إرم" خدمة لأهداف يهودية تاريخية وأيديولوجية معينة.
ونورد هنا مثالا لعالم اسلامي معتبر يحظى باحترامنا واحترام الجميع له رأي خاص يتعلق بموقع "شصر" العماني أو "إرم" كما يراه هو من وجهة نظره.. وهو الدكتور زغلول النجار العالم المصري المسلم الذي تحدث عن هذا الاكتشاف قائلا: "في سنة‏1984‏م زود أحد مكوكات الفضاء بجهاز رادار له القدرة على اختراق التربة الجافة إلى عمق عدة أمتار يعرف باسم جهاز رادار اختراق سطح الأرض
‏(Ground Penetrating Radar Or GPR) فكشف عن العديد من المجاري المائية الجافة مدفونة تحت رمال الحزام الصحراوي الممتد من موريتانيا غربا إلى أواسط آسيا شرقا‏.‏
وبمجرد نشر نتائج تحليل الصور المأخوذة بواسطة هذا الجهاز تقدم أحد هواة دراسة الآثار الأمريكان واسمه نيكولاس كلاب ‏(Nicholss Clapp)‏ إلى مؤسسة بحوث الفضاء الأمريكية المعروفة باسم ناسا‏(NASA)‏ بطلب للصور التي أخذت لجنوب الجزيرة العربية‏,‏ وبدراستها اتضح وجود آثار مدقات للطرق القديمة المؤدية إلى عدد من أبنية مدفونة تحت الرمال السافية التي تملأ حوض الربع الخالي‏,‏ وعدد من أودية الأنهار القديمة والبحيرات الجافة التي يزيد قطر بعضها على عدة كيلومترات‏.‏
وقد احتار الدارسون في معرفة حقيقة تلك الآثار‏,‏ فلجأوا إلى الكتابات القديمة الموجودة في إحدى المكتبات المتخصصة في ولاية كاليفورنيا وتعرف باسم مكتبة هنتنجتون Huntington Library)) وإلى عدد من المتخصصين في تاريخ شبه الجزيرة العربية القديم وفي مقدمتهم الأمريكي جوريس زارينز (‏(Juris Zarins‏ والبريطاني رانولف فينيس (‏Ranulph Fiennes) وبعد دراسة مستفيضة أجمعوا على أنها هي آثار عاصمة ملك عاد التي ذكر القرآن الكريم أن اسمها‏"إرم‏"‏ كما جاء في سورة الفجر‏,‏ والتي قدر عمرها بالفترة من‏3000‏ ق‏.‏م‏.‏ إلى أن نزل بها عقاب ربها فطمرتها عاصفة رملية غير عادية‏.‏ وعلى الفور قام معمل الدفع بالنفاث بكاليفورنيا‏- معهد كاليفورنيا للتقنية
‏ (The Jet Propulsion Laboratories- California Institute of Technology ,J.P.L)
بإعداد تقرير مطول يضم نتائج الدراسة‏,‏ ويدعو رجال الأعمال والحكومات العربية إلى التبرع بسخاء للكشف عن تلك الآثار التي تملأ فراغا في تاريخ البشرية‏,‏ وكان عنوان التقرير هو‏:‏ البعثة عبر الجزيرة
(‏The Trans-Arabia Expedition)‏ وتحت العنوان مباشرة جاءت الآيتان الكريمتان رقما‏8,7‏ من سورة الفجر‏,‏ وقد أرسل إلي التقرير لدراسته‏,‏ وقد قمت بذلك فعلا وقدمت رأيي فيه كتابة إلى المسؤولين بالمملكة العربية السعودية‏,‏ وقد ذكر التقرير أن اثنين من العلماء القدامى قد سبق لهما زيارة مملكة عاد في أواخر حكمها‏,‏ وكانت المنطقة لا تزال عامرة بحضارة زاهرة‏,‏ والأنهار فيها متدفقة بالماء‏,‏ والبحيرات زاخرة بالحياة‏,‏ والأرض مكسوة بالخضرة‏,‏ وقوم عاد مستكبرون في الأرض‏,‏ ويشكلون الحضارة السائدة فيها‏,‏ وذلك قبل أن يهلكهم الله‏ تعالى مباشرة‏,‏ وكان أحد هؤلاء هو بليني الكبير من علماء الحضارة الرومانية‏ (الذي عاش في الفترة من‏23‏م إلى‏79‏م‏),‏ والآخر كان هو الفلكي والجغرافي بطليموس الإسكندري الذي كان أمينا لمكتبة الإسكندرية‏.‏ (وعاش في الفترة من‏100‏م إلى‏170‏م تقريبا‏),‏ وقام برسم خريطة للمنطقة بأنهارها المتدفقة‏,‏ وطرقاتها المتشعبة والتي تلتقي حول منطقة واسعة سماها باسم‏(‏سوق عمان‏).‏
ووصف بليني الكبير حضارة عاد الأولى بأنها لم يكن يدانيها في زمانها حضارة أخرى على وجه الأرض‏,‏ وذلك في ثرائها‏,‏ ووفرة خيراتها‏,‏ وقوتها‏,‏ حيث كانت على مفترق طرق التجارة بين كل من الصين والهند من جهة وبلاد الشام وأوروبا من جهة أخرى‏,‏ والتي كانت تصدر إليها البخور والعطور والأخشاب‏,‏ والفواكه المجففة‏,‏ والذهب‏,‏ والحرير وغيرها‏.‏
وقد علق كثيرون من المتأخرين على كتابات كل من بليني الكبير وبطليموس الإسكندري بأنها ضرب من الخرافات والأساطير‏,‏ كما يتشكك فيها بعض مدعيي العلم في زماننا ممن لم يستطيعوا تصور الربع الخالي‏,‏ وهو من أكثر أجزاء الأرض قحولة وجفافا اليوم‏,‏ مليئا في يوم من الأيام بالأنهار والبحيرات والعمران‏,‏ ولكن صور المكوك الفضائي جاءت مطابقة لخريطة بطليموس الإسكندري‏,‏ ومؤكدة ما قد كتبه من قبل كل منه ومن بليني الكبير كما جاء في تقرير معهد الدفع النفاث‏".‏
إرهاصات قبل الكشف
ويضيف د. زغلول النجار:
‏*‏ "في سنة‏1975‏م تم اكتشاف آثار لمدينة قديمة في شمال غربي سوريا باسم مدينة‏‏ إبلا‏ (Ebla) تم تحديد تاريخها بحوالى ‏4500‏ سنة مضت‏,‏ وفي بقايا مكتبة قصر الحكم في هذه المدينة القديمة وجدت مجموعة كبيرة من الألواح الصلصالية‏(حوالى ‏15,000‏ لوح‏)‏ تحمل كتابات بإحدى اللغات القديمة التي تم معرفة مفاتيحها وتمت قراءتها‏.‏
‏*‏ في عددها الصادر بتاريخ ديسمبر‏1978‏م نشرت المجلة الجغرافية الأهلية‏
(NationalGeographicMagazine)‏ مقالا بعنوان: (Ebla: Splendorofanun known)
(Empire´ vol.154,no.6, pp731.-759) لكاتب باسم‏ (Howardla Fay)‏ جاءت فيه الإشارة إلى أن من الأسماء التي وجدت على ألواح مدينة إبلا الاسم إرم على أنه اسم لمدينة غير معروفة جاء ذكره في السورة رقم‏89‏ من القرآن الكريم‏.‏
‏*‏ بعد ذلك بعام واحد‏(‏أي في سنة‏1979‏م‏)‏ نشر اثنان من غلاة الصهاينة هما‏:‏ حاييم برمانت وميخائيل ويتزمان (Chaim Bermantand Michael Wetzman)
كتابا بعنوان‏:‏(Ebla -A Revelation In Archaeology)‏ ذكرا فيه أسماء ثلاثة وجدت مكتوبة على ألواح الصلصال المكتشفة في‏(‏إبلا‏)‏ هي‏:‏ شاموتو ‏(‏أو ثمود‏),‏ و‏(‏عاد‏),‏ و‏(‏إرم‏)‏ وذكرا أن هذه الأسماء الثلاثة ذكرت في السورة رقم‏89‏ من القرآن الكريم‏.‏
وأضاف هذان الصهيونيان أن‏(‏ ثمود‏)‏ اسم قبيلة ذكرها سارجون الثاني‏(Sargon II)‏ في القرن الثامن قبل الميلاد‏,‏ بينما الإسم ‏(‏إرم‏)‏ قد اختلف فيه فمن المؤرخين من اعتبره اسما لإحدى القبائل‏,‏ ومنهم من اعتبره اسما لمكان‏,‏ أما عن الاسم الثالث ‏(‏عاد‏)‏ فقد اعتبراه اسما أسطوريا‏,‏ وهذا من قبيل تزييف التاريخ الذي برع فيه الصهاينة منذ القدم‏,‏ وقد سبقهم في ذلك جيش من مزيفي تاريخ الجزيرة العربية على رأسهم‏ (Thomas Bertram) ‏الذي نشر في الثلاثينات من القرن العشرين كلاما مشابها‏.‏
‏وتوالت الكتب والنشرات والمواقع على شبكة المعلومات الدولية منذ ذلك التاريخ‏,‏ ولكن تكتم القائمون على الكشف نشر مزيد من أخباره حتى يتمكنوا من تزييفه وإلحاقه بأساطير اليهود كما فعلوا من قبل في لفائف البحر الميت وآثار‏(‏إبلا‏)‏ وغيرها من المواقع‏.
تورط د. النجار
لا ادري حقيقة كيف يمكن لعالم بقيمة وأهمية الدكتور زغلول النجار مع كامل احترامي وتقديري لشخصه الكريم وعلمه الوافر, بأن يتورط في هكذا جزم بأن موقع "شصر" الاثري المكتشف في صحراء الربع الخالي في سلطنة عمان انما هو تأكيد لا يقبل أي نقاش لديه بأنه "إرم ذات العماد" المذكورة في القرآن الكريم في سورة الفجر؟
حتى انه وصف من يخالف هذا الاعتقاد بـ "الرويبضة" وطعن في نواياهم واهدافهم واصفا اياهم بالمخالفين لما جاء به كتاب الله عز وجل!!
ولماذا تعجل في اصدار الاحكام وهو العالم ذو المكانة الرفيعة باعتبار التكتم على كل ما يتعلق بالموقع (حسب وصفه) بأنه محاولات يهودية لتزييف كل ما يتعلق بهذا لينسبه اليهود اليهم وحدهم وحرمان المسلمين من حقهم التاريخي فيه, علما بأن "إرم" ان وجدت فهي تخص قوم عاد..
ولا مبرر للحديث عن حق ديني في المدينة، وربما كان الحديث عن حق جغرافي سياسي في الموقع للبلد الذي تكتشف فيه المدينة المفقودة "إرم" اذا ما تم اكتشافها داخل حدودها الاقليمية هو الاقرب للمنطقة!!
فكيف وقع الدكتور النجار وهو العالم المعتبر في العالم الاسلامي اجمع في أن يجعل من حادثة لم يتم التثبت من صدقيتها وحقيقتها العلمية بأن يجعلها دليلاً حياً على اعجاز القرآن الكريم مما يطرح سؤالاً بديهيا ليس لدى الغرب او لدى اصحاب الديانات والمعتقدات الاخرى وحسب بل لدى المسلمين انفسهم: ماذا لو ثبت خطأ الابحاث الاثرية التي تمت على الموقع او ثبت لاحقا عكس الفرضية القائلة بأن الموقع هو "إرم" هل سيثبت عندها ان القرآن الكريم ليس فيه اعجاز وعاجز عن اثبات الآيات الكريمة من خلال المكتشفات والابحاث العلمية؟ وهذا سؤال مشروع ومطروح.. ومن البديهي افتراض طرحه في حال ثبوت عكس ماجزم به الدكتور زغلول النجار فيما يخص "إرم" واثبات انها هي التي اكتشفت في "شصر" عمان من عدمه.