المعقل الثاني للجالية البرماوية في مكة المكرمة بعد حي النكاسة هو قمم سلسلة جبال تمتد ما بين حيي الطندباوي والمسفلة وتشمل جبل الشراشف وحارة يمن والجبال المطلة على دحلة الرشد والدحلة الوسطى. الصعود الى هذه القمم التي يقطنها حوالى 70 ألف نسمة يعتبر مغامرة غير محسوبة العواقب لمن لم يتعود عليه حيث يسير الصاعدون مشيا على أقدامهم في أزقة ضيقة تحفها نفايات قذرة من كل جانب ومحلات بدون تراخيص فيما العيون تتابعهم بشيء من الريبة. في تلك الأحياء التي جميع سكانها من البرماويين وبعض البنغاليين مجازر عشوائية تذبح فيها أغنام مريضة وتباع لحومها غير الصالحة للاستهلاك الآدمي بنصف القيمة. وكذلك تُباع هناك بأسعار زهيدة للغاية خضروات تُجلب من مزارع تُسقى بمياه ملوثة في أطراف مكة المكرمة حيث لا يزيد سعر كيلو الطماطم عن ريال واحد وقس على ذلك أسعار باقي الخضروات. ويخصص يوم الجمعة من كل اسبوع للبيع والشراء في سوق اسبوعي بالأزقة الضيقة. واجهنا صعوبة بالغة في الصعود لجبل الشراشف عبر طريق متعرج من جهة الطندباوي وعلمنا ان سبب تسميته بهذا الاسم الغريب هو ان البرماويين حينما بدأوا السكن فيه كانوا يسكنون في صنادق يضعون عليها شراشف لحمايتهم من حرارة أشعة الشمس والفصل بين الأسر. يتطلب الصعود بالسيارة لجبل الشراشف أكثر من ساعة لضيق الطريق الذي لا يتسع الا لسيارة واحدة فإذا صادفتك سيارة قادمة من الاتجاه الآخر عليك العودة للوراء الى ان تصل لأسفل الجبل ولذلك يقوم العديد من السكان بايقاف سياراتهم والصعود سيرا على الأقدام أو بالدراجات النارية.
إحساس غريب
وحينما تصل الى قمة الجبل يراودك احساس غريب بأنك في مكان ببلد غير المملكة فالجميع يتحدثون لغات بورمية او اردية ويرتدون ملابس غريبة وأصوات المسجلات تنبعث من النوافذ بلغات السكان بينما حركة البيع والشراء لا تهدأ ابداً والروائح الكريهة للنفايات المتناثرة هنا وهناك تزكم الانوف.
احمد عبدالقدوس "برماوي يتحدث اللغة العربية بطلاقة" قال انه حينما قدم للمملكة مع والده كان صغير السن وهو يسكن في جبل الشراشف منذ اكثر من ثلاثين عاماً وما يزال يذكر جيداً قدومهم لهذا البلد الذي لا يعرف بلداً آخر غيره وفيه تربى وترعرع مضيفا انه استضافهم في البداية بعض اقاربهم في جبل الشراشف الذي كان يقطن فيه سعوديون ومع مرور الوقت باعوا بعض منازلهم للبرماويين واجروا البعض الآخر ولم يعد الآن أي سعودي يسكن في الجبل المكتظ بالسكان حيث تسكن اكثر من اسرة في المنزل الواحد نظراً للظروف الاقتصادية التي يعاني منها الكثيرون من البرماويين.
ويرى عبدالقدوس انه رغم الازدحام وضيق المنازل لكنهم لا يرغبون في مغادرة جبل الشراشف الذي ارتبطوا به وجدانياً واصبح جزء من حياتهم وحتى الذين خرجوا من الجبل ليسكنوا في احياء اخرى بمكة المكرمة سرعان ما عادوا اليه مع ان النظافة فيه شبه معدومة وعمال الأمانة يتفادون الصعود اليه حتى لا يتعرضوا لمشاكل مع سكانه خاصة المراهقين منهم ومن ثم يعدون تقاريرهم بعيداً عن الواقع.
حبيسات المنازل
وتحدث احمد عبدالرحيم عن وضع الفتيات البرماويات قائلاً: انهن حبيسات المنازل حيث يشدد كبار السن على بناتهم بعدم الخروج الا في اصعب الظروف مما ادى لصدام بين مفاهيم وتقاليد الجيل القديم والحديث نتج عنه انحراف سلوكيات بعض الشباب من الجنسين.
من ابرز الاحياء التي اعتاد البرماويون السكن فيها بالعاصمة المقدسة "حي القمامة" الذي تم تغيير اسمه ليصبح حي الزهور ويقع بجوار مخطط الشوقية على الطريق الدائري ويسكن فيه حوالى 50 ألف برماوي. تجولنا في هذا الحي عصر يوم جمعة في وقت كانت تقام فيه مباراة لكرة القدم بين فريقين من الشباب ويشاهدها جمهور كبير فالبرماويون شعب يعشق الكرة ولذلك كثيرا ما يشاهد الصغار يتراكضون وراءها في ملاعب ترابية بالحي الذي يتسم بالعشوائية ويلتزم فيه الكبار منازلهم.
محمد عالم ياسين أحد مديري المدارس الخيرية المنتشرة في أحياء البرماويين تحدث لنا عن تجربة التعليم الخيري موضحا انه توجد بحي الزهور مدرسة خيرية وتقوم وزارة التربية والتعليم بتوجيه معلمين سعوديين لها وتزودها بالمقررات الدراسية مع الاشراف عليها لكنها لا تستوعب جميع الطلاب البرماويين لذلك يبقى الكثير منهم في منازلهم بلا تعليم.
ترابط أسري
ونظرا لأن الترابط الأسري سمة مميزة للبرماويين فإن الأسرة تسكن في منزل واحد والابناء حينما يتزوجون يسكنون في غرف ملحقة بالمنزل الذي يصل عدد سكانه لـ 30 شخصا.
والبرماويون عادة يميلون للقيام بالاعمال الخفيفة ويبتعدون عن الشاقة التي تتطلب جهدا مضاعفا كالحفر والتكسير.. والعاطلون عن العمل منهم يقضون نهارهم في النوم وليلهم في التسكع بالشوارع.
مجازر لذبح الأغنام المريضة وخضروات تسقى بمياه ملوثة
جبل الشراشف .. منازل مكتظة وارتباط وجداني بالموقع
26 مايو 2008 - 20:31
|
آخر تحديث 26 مايو 2008 - 20:31
جبل الشراشف .. منازل مكتظة وارتباط وجداني بالموقع
تابع قناة عكاظ على الواتساب
جولة : سلمان السلمي تصوير: صالح باهبري4