كثيرون ما يعتقدون أنهم أحرار، وهم في الحقيقة عبيد، فالعبودية ليست بالضرورة عبودية بشر لبشر، بمعنى أن يكون هناك سيد، يتحكم في الآخرين، فقد تكون العبودية أسوأ من ذلك، وأشد وبالاً على صاحبها، وذلك عندما نرى المرء عبداً لشهواته ونزواته وطمعه وطموحاته اللامتناهية.
فهناك من يطمع في الثروة، أينما وجد لها مصدراً، يمم لها وجهه، وأهان لها كرامته، فلا مانع عنده من أن يتملق ويداهن هذا وذاك، وأن يقدم من التنازلات ما تأباه النفس الشريفة العفيفة، فمثل هذا الصنف من الناس، وإن كانوا في نظرنا أحراراً، فإنهم عبيد، عبيد لطمعهم في الثروة.
وهناك من يطمع في المنصب، يسعى جاهداً من أجل أن يتولى مكانة في عمله أو مجتمعه، دون أن يكون مؤهلاً لهذا المنصب، أو يستحق هذه المكانة، وكل ما يملكه هو استعداده للوصول إلى ما يريد من خلال أساليب مشروعة وغير مشروعة؛ نفاق، مداهنة، وشاية، فمن أجل تحقيق مطامعه في الوصول إلى المنصب لا بأس أن يرتكب الموبقات، ويخرق الأنظمة والقوانين، بل والشرائع. هذا، وإن بدا حراً للناس، فهو عبد للمنصب، مهما حمل من ألقاب.
وهناك من يطمع في النساء ويشتهيهن، فيطلق لشهوات عينه مطلق العنان، وللسانه الحرية، وربما لجوارحه، فيفعل ما لا يليق بشخصه واسمه ومكانته، وهو عاجز عن كبح شهوته، وتهذيب غريزته، وهذا عبد لهذا النوع المؤسف من الطمع.
أصناف كثيرة من البشر، فقدت حريتها، واستسلمت لأطماعها، فصارت مستعبدة ذليلة لأنواع شتى من الشهوات والنزوات، هم يعرفون أنفسهم أكثر من معرفة الناس بهم، لكنهم لا يدركون معنى العبودية، ولا يفهمون معنى الحرية. لقد فقدوا إرادة الفعل الحر حينما سلموا أنفسهم لمستلزمات ومتطلبات تحقيق أطماعهم التي باتت تشغلهم وتسيطر، لا على أفكارهم وحسب، بل على سلوكياتهم وأفعالهم. وعلى الجانب الآخر، هناك صنف من الناس، ليسوا بالضرورة في عصرنا هذا، كانوا عبيداً وأرقاء، لكنهم تحرروا من الأطماع، ولم يخضعوا للشهوات، أنفسهم حرة، وأفعالهم أفضل ألف مرة من ساداتهم الذين أسلموا أنفسهم للطمع. القناعة ـ كما يُقال ـ كنز لا يفنى، وثروة لا تقدر قيمتها، لأن مردودها ليس مالاً يعد ويحصى، وليست أرباحاً تجنى وتدخر، وإنما أثرها بالدرجة الأولى على نفسية الإنسان، وراحة باله، وسعادته الداخلية، واستقراره النفسي، ومن ثم استقرار وأمن المجتمع بأسره.
فهل حاولنا التحرر من صنوف العبودية المختلفة التي تسيطر على الكثيرين منا، وتذل نفوسهم، وتخضع أعناقهم؟! إن من يخضع لرغباته وشهواته ونزواته، من الصعب أن يزعم الحرية لنفسه، فهو عبد وعبد ذليل وضيع، لأنه فرّط في أهم خصائصه، في كرامته وشرفه، ورضي بأن يُستعبد.حتماً، الحر عبد إذا طمع، والعبد حر إذا قنع.