حاوره (محمد النعمي)‏
«تبخرت أحلام الملايين وذهبت الشهرة، وبت أعيش على الكفاف في بيت قديم مع أسرتي المكونة من 9 أفراد، عملي البسيط لا يكفي لمطالب الحياة، ودين يتضاعف كل عام، يذهب النوم عن عيني وأبنائي بلا تعليم».

بهذه الكلمات تحدث النجم الدولي السابق وحارس مرمى الأهلي عبدالمجيد الغامدي عن مأساته ومعاناته التي تزداد كل يوم، بعدما فقد الوالدين والإخوة، ولم يعد يقف معه سوى بعض أهل الخير من الرياضيين الأوفياء، لكنه يخجل أن يظل عبئا عليهم.

قصته مليئة بالأحزان بدت لي حين انتهيت من حواري معه، وكأنها مسلسل درامي حزين، خسر البطل في النهاية كل شيء لينزوي في غرفة صغير في ملحق ببيت قديم في حي شعبي بعيدا عن الناس.

حكاية الحارس الدولي الذي طرق أوليمبياد أتلانتا 1996، واختير للمنتخب الأول بعد عامين انتهت سريعا، واستحالت مأساة إنسانية لرياضي آخر ممن طواهم النسيان.

إلى التفاصيل:

طوتني الحياة

• أين أنت ولماذا ابتعدت عن الناس؟

•• الحياة طوتني، والدنيا قلبت لي وجهها الآخر، ففضلت الابتعاد عن الناس خجلا ممن أعرفهم ويعرفونني، وأملا أن لا يتعرف عليّ آخرون فيشمتون بي.

• ألم تخرج بشيء من احترافك كرة القدم؟

•• لم أخرج بشيء، ولم يكن هناك أي صندوق يحفظ للاعب كرامته، فاللاعب شخص مشهور ومن المخجل أن يصبح عالة ولا يستطيع إعالة أسرته.

• كيف تصف مشوارك مع كرة القدم؟

•• بدأت مشواري مع الأهلي في فئة الناشئين خلال عهد إدارة الأمير خالد بن عبدالله، ثم ابتعدت عن النادي وعدت له لاعبا في الفريق الكروي الأول في عهد الأمير محمد العبدالله الفيصل.

• كم المدة الزمنية التي قضيتها مع الفريق؟

•• لعبت مع الأهلي أكثر من 4 سنين، مثلت فيها المنتخب السعودي الأوليمبي لاعبا احتياطيا في أوليمبياد أتلانتا، واخترت للمنتخب الأول في تصفيات كأس العالم 1998 أمام الكويت في الكويت وسجل أحمد جميل هدفا لا أنساه في تلك المباراة، وكان هدف منتخبنا الوحيد، وحينها كنت الحارس الاحتياطي لحسين الصادق.

• ألم تكن هذه الفترة كافية لتأمين مستقبلك ماديا؟

•• لم تكن هناك عقود احترافية بمبالغ كبيرة، فالأمر يقتصر على الرواتب فقط، وفي أول سنتين كنت أتقاضى مرتباً قدره 8 آلاف ريال، وارتفع بعد عامين إلى 11 ألف ريال، قبل أن أعتزل اللعب بسبب تكرار إصابتي بالرباط الصليبي 5 مرات.

دين يتضاعف

• ما أسباب تردي أحوالك المعيشية؟

•• لا أخفيك سراً تكالبت عليّ الديون أخيراً، وزاد الأمر تعقيداً زيادة الدين سنوياً بقيمة 12 ألف ريال، وهذا الأمر جعلني مكبل اليدين بلا حراك، وعطل التحاق أبنائي بالمدارس، فابني البكر تجاوز عمره الـ 16 عاماً، وأخته بسمة بعمر الـ14 عاماً، وكذلك بقية الأبناء السبعة محرومون من التعليم بسبب عجزي المادي وإيقاف خدماتي بالكامل.

• كم القيمة المالية للدين، وما قصته؟

•• قيمة الدين 36 ألف ريال، يزيد في كل عام 12 ألف ريال، فقد كان الرقم أقل من ذلك بكثير وسيزيد في السنة القادمة إلى 48 ألف ريال لصالح إدارة الأوقاف نظير استئجاري لشقة قبل رجوعي لهذا المنزل الذي كانت تسكنه والدتي قبل أن تفيض روحها إلى بارئها (رحمها الله)، ومن قبلها والدي (رحمه الله)، و6 من إخواني توفاهم الله جميعاً، وبقيت أنا وحيداً بفضل الله لرعاية هؤلاء الأبناء.

• لا يوجد مانع يمنع الأبناء من التسجيل في المدارس .. فما الأسباب؟

•• أخبرني لاعب الأهلي السابق أيمن بلغيث، وهذا الرجل صاحب فضل كبير علي بعد الله، حيث ساعدني في العمل حارس أمن في إحدى الشركات الخاصة، أخبرني بأن الأبناء يمكنهم الدراسة بالمشاهد الثبوتية التي أملكها، وهذا ما كنت أجهله بسبب بقائي في المنزل متخفياً فترة طويلة بعد إيقاف خدماتي خوفاً من أي إجراء من شأنه إبعادي عن الأبناء والأسرة والتي لا يعولها أحد سواي بعد الله عز وجل.

اتحاديان وقفا معي

• ألم تحاول الوصول لأعضاء شرف النادي الأهلي أو لاعبين سابقين يملكون القدرة على إخراجك من أزمتك الخانقة؟

•• حاولت التواصل مع أعضاء شرف النادي الأهلي، ولاعبين سابقين في النادي لمساعدتي والوقوف معي في محنتي، ولكن محاولاتي كلها باءت بالفشل، وفي المقابل سخر الله لي لاعب سلة نادي الاتحاد محمد مبيريك الحربي لمساعدتي والوقوف معي بطريقة أشبه بالخيال دون كلل أو ملل، لدرجة أني أسدد الكهرباء وأصرف على أولادي طوال الفترة الماضية مما يقدمه لي، وهو رجل خير بكل معنى الكلمة. ولا أنسى مشرف السلة الاتحادية محمد خميس الذي يصرف عليّ من جيبه الخاص في أوقات لا أجد فيها قوت أولادي، فجزاهما الله خيراً عني وعن أسرتي.

• ما العلاقة التي تربطك بمشرف ولاعب سلة في نادي الاتحاد لتجد منهما هذه الوقفة لنبيلة؟

•• علاقتي بمحمد مبيريك، بدأت منذ عملي الحكومي في القوة البحرية، وأما العم محمد خميس، فهو صديق قديم لأخي الأكبر أحمد الغامدي، الذي كان تربطه علاقة وطيدة برجالات الاتحاد، وخميس من أنبل الرجال الذين بقوا أوفياء مع أصدقائهم من خلال وقفته معي في عز ضعفي وعجزي.

• كيف عليك دين في إدارة الأوقاف بسبب استئجار منزل، وأنت تملك هذا المنزل؟

•• بعد وفاة إخواني الستة ووالدتي، عشت في حالة نفسية صعبة للغاية، وانعزلت في غرفة لوحدي فترة من الزمن، قبل أن أنتقل لهذا المنزل الذي ورثته عن الدتي وفيه عشت معاناة دخول الصرف الصحي للغرف في الدور الأرضي، وهو ما اضطرني للسكن مع أسرتي في ملحق صغير في السطوح مكون من غرفتين ومطبخ ودورة مياه تحتضن أسرة كاملة مكونة من 9 أشخاص.

مشقة الوصول للعمل

• ماذا عن عملك؟

•• أخيراً حصلت على وظيفة ساعدني فيها أيمن بلغيث، بمساهمة من لاعب الأهلي السابق نصار الظاهري، فلهما الشكر، والشكر موصول أيضا لصلاح العماري ومنصور القحطاني، إلا أنني أعاني من ناحية المواصلات.

• كيف؟

•• ليست لدي وسيلة مواصلات، وحتى أصل لمقر عملي أمشي يومياً من مقر سكني إلى طريق مكة القديم، وهناك أقف بانتظار الحافلة، وحين وصولها أخبر السائق بعدم امتلاكي لقيمة المشوار «ريالين»، فأجد من يتعاون معي ويأخذني بكل رحابة صدر إلى مقر العمل، ومنهم من يعتذر وأقبل عذره لأن الحافلة وسيلة تكسبه.

• كلمة أخيرة

•• كل ما أتمناه هو أن أرى أبنائي يتلقون تعليمهم في المدارس، وأن أجد مصدرا ماليا يساعدني على تأمين قوت يومهم ومصروفهم، وتسديد ديني في إدارة الأوقاف قبل حلول شهر ذي الحجة، لضمان عدم ارتفاع القيمة إلى 48 ألف ريال، وتجديد جواز سفر زوجتي، فأنا متزوج امرأة إندونيسية، وعانيت معاناة كبيرة في استخراج جواز سفر لها بعد الانتهاء من إجراءات «تسنين» الأبناء في الأحوال المدنية، ولكن الإجراءات تشترط سفرها إلى إندونيسيا ومن ثم العودة لاستخراج جواز سفر جديد «بدل فاقد» وهذه معضلة كبيرة تقف في طريقي.