أ.د حسن بن محمد سفر (أستاذ الدراسات القضائية) yahoo.com
تصنف الظواهر الدينية والنوازل الاجتماعية تسنم الجاهل غير الملم بالأحكام وقيامه بالإفتاء دون توافر شروط الإفتاء فيه كارثة تدك حصون المجتمعات، ونظراً للمسؤولية العظمى في الأمر المهم قال الإمام مالك رحمه الله: «لا ينبغي للعالم أن يفتي حتي يراه علية العلماء، أنه أهل للفتوى»، ولما كانت الفتوى من أهم الوسائل والطرائق التي لها تأثيرات كبيرة على المجتمعات، وضرر على نواحٍ متعددة تولد مخاطر دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية، خصوصاً إذا اعتلى منبرها الجهلة والسفلة وذوو الأغراض الشخصية والسياسية، وأخذها الناس تلقفاً من أفواههم وشهدت بعض الدول والمجتمعات هذه الأخطار وسماها البعض بـ«الفتاوى الفوضوية»، حيث تنتقل إلى كل البلدان وهي التي توسم وصماً بالفتاوى المنفلتة والهواوية، ومما يؤسف له في بعض البلدان ظهور مفتين مشاة على الأرض وفي سماء الهواء يفتون في كل شيء، ويتعالى الواحد منهم كبراً، ويرى أنه إذا قال: «لا أدري»، يعتبر عيباً ومنقصة، وهو في هذا الصنيع المشين تجرأ على الفتوى، وخاض في مجال دون علم وفقه ودراية ناسياً الآثار والكوارث والدمار الشرعي والاجتماعي والفكري الذي انتهكه، وأفرز منه وتولد من اضطرابات وفتنة وشقاق، مستخدماً لي عنق النصوص، تطويعاً للأهواء والأغراض، لصالح أجندات وفئات وخدمة دول شريرة وأحزاب تركب موجة الدين باسم الإسلام والنصح والإرشاد المبطن بالتخريب والتغريب، علماً أن هذا الجهل من الجاهل يؤدي إلى خلل كبير وشقاق وفتنة تتولد منها جرائم وتقاتل وتشرذم وفوضى وإخلال بأمن واستقرار المجتمعات، وفرقة الجماعات، ذكرت «المصادر التراثية في مملكة الأندلس» أن هذه الأخطار والزوابع المسمومة والتوظيف الحيلي لها، قوبل بحزم وصرامة من قبل الولاة والحكام في الممالك الدينية فصدرت الأوامر السلطانية بإنشاء «ولاية الرقابة على الافتاء»، مهمتها أنها ترصد فتاوى هؤلاء الجهلة ذوي الأغراض السياسية والفتن الدهرية، فجرت معاقبتهم وتجريدهم من وظائف الإفتاء الصوري الماجن، وتناولت أدبيات الدواوين السلطانية الأمر بتصفح أحوال المفتين فمن كان يصلح لها أقره ومن لم يصلح بل يفسد أكثر مما يصلح يجري منعه ونهيه مع توعده بالعقوبة الغليظة والمشددة، ومنعه من الفتوى والشهادات كما حدث لمولي ابن الطلاع سنه 497 هجرية.

فالمقتضى السلطاني للتخلص من هذه الفوضي أن تقام في كل منطقة مجالس إفتائية يرأسها مفتي ومجلس علمي فقهي، وهكذا يتضح أن أمر الرقابة على المفتين وإقامة مجالس علمية تتمثل فيها المذاهب الفقهية، في كل منطقة أمر فيه من السعة واليسر والانضباط والمصلحة، ولاشك أن ولي أمرنا الملك سلمان وولي عهده يوليان هذا الجانب الإفتائي كل دعم ورعاية واهتمام.