يروي مروان كنفاني المستشار والمتحدث الرسمي للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لـ (عكاظ) ذكرياته مع القضية الفلسطينية في ضوء معايشته لها عن قرب كمراقب ومشارك وصانع في بعض الاحيان وذلك لقرابة 40 عاما . ويعرض كنفاني للمحطات الثلاث للفلسطينيين وما تعرضوا له بعد خروجهم من وطنهم ، وما تلاها من احداث في الاردن ، ثم لبنان ثم تونس ، وكذلك الغزو العراقي للكويت وتأثيراته على العلاقات الفلسطينية العربية ومسيرة السلام الفلسطينية الاسرائيلية عبر مدريد واوسلو واتفاق غزة اريحا وعودة الرئيس عرفات الى ارض الوطن وقضية وفاة الرئيس عرفات وماحوته من اسرار وتصوره للمستقبل المنظور للقضية الفلسطينية. في الحلقة السابقة روى كنفاني خروج الفلسطينيين من أراضيهم والنكبة الفلسطينية العام 1948 ،وقصة خروج أسرته من يافا إلى صور ثم إلى دمشق .ويواصل كنفاني قائلا: نجحت في اجتياز امتحان الثانوية وسط ظروف قاسية والتحقت بكلية الحقوق في جامعة دمشق ، وكان والدي شديد الإصرار على تعليمنا وهو الذي غرس فينا حب القراءة والإطلاع، كما رغب في أن ينهج احد أولاده نهجه في دراسة القانون ، الأمر الذي قمت به من بين إخوتي في محاولة لإسعاد قلبه الحزين ثم التحقت العام 1961 بجامعة القاهرة وعملت بعد تخرجي وزواجي في اول وظيفة دائمة ذات معنى ، وهي محام في إدارة شؤون فلسطين في جامعة الدول العربية ، قسم أراضي الفلسطينيين ثم في الإدارة الإعلامية حيث تم نقلي للعمل في بيروت العام 1972
نشأة منظمة التحرير
كان موقف المملكة الاردنية الهاشمية ،التي كانت الضفة الغربية في حينها جزءا منها ، منذ قرارات مؤتمر اريحا الشهير العام 1949 ، متحفظا تجاه انشاء منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964 ، وتحسس الملك حسين في حينها من تشكيل تلك المنظمة واعطاء قيادتها لاحمد الشقيري الذي كان محسوبا على مؤيدي الاتجاه القومي العربي الذي كان يمثله الرئيس جمال عبد الناصر والذي كان يسعى الى انشاء قيادة فلسطينية جديدة بقرار عربي جماعي على غرار القيادة الفلسطينية القديمة التي اكتسبت شرعيتها العربية باعتراف وتأييد من جامعة الدول العربية . ولم تكن العلاقة بين المملكة الاردنية من جهة وبين منظمة التحرير الفلسطينية من جهة اخرى على مايرام على الرغم من قيام الاردن رسميا بالموافقة على انشاء المنظمة في مؤتمر القمة العربي الذي دعا الى عقده الرئيس عبد الناصر في القاهرة العام 1964 ، والاعتراف بها وبدء تأسيس فيلق بدر التابع رمزيا لجيش التحرير الفلسطيني على انشاء مكتب للمنظمة الجديدة في عمان ، والسماح لاحمد الشقيري الرئيس المعين عربيا للشعب الفلسطيني بزيارة الاردن والضفة الغربية . وما ان جاء العام 1965 وبعد مرور حوالي السنة على قرارات مؤتمر القمة العربي في القاهرة حتى كانت الحرب قد اصبحت علنية بين قيادة منظمة التحرير الجديدة ، والمتحالفة مع الرئيس عبد الناصر وبين المملكة الاردنية الهاشمية من جهة اخرى واستمرت المناوشات في العلاقة بين الطرفين حتى وقعت حرب 1967 ومن ثم عقد مؤتمر القمة العربي في الخرطوم وقرراته ونتائجه التي تجسدت باللاءات الثلاث المشهورة .
أحداث أيلول الأسود
تغاضى الملك حسين ملك الاردن في السنوات الاولى التي اعقبت هزيمة يونيو 1967 واحتلال اسرائيل للضفة الغربية عن تدفق متطوعين ومقاتلين فلسطينيين معظمهم قادم من الضفة الغربية بعد احتلالها للانضمام الى قوات المقاومة على الحدود الغربية للاردن الملاصقة للضفة الغربية ، حيث كانت تنتظرهم قيادة العمل الداخلي في حركة فتح والرئيس عرفات بشكل اساسي وكانت تلك الحركة تسعى في ذلك الوقت الى استرداد كل فلسطين وليس فقط الجزء الذي ضاع بعد حرب يونيو 1967، فيما كانت حركة فتح تعتبر ان هزيمة 67 قد جاءت نتيجة لاستبعاد أو تقاعس الفلسطينيين انفسهم عن المشاركة في تقرير مصير بلدهم .
لم يكن الوجود الفلسطيني المسلح في الاردن كبيرا بل كان محدودا حتى وقوع معركة الكرامة في مارس 1968 والتي حقق فيها الفلسطينيون انتصارا على القوات الاسرائيلية التي كانت قد جاءت الى الاراضي الاردنية المحازية لنهر الاردن للقضاء على الفلسطينيين.
وعقب ذلك توافد المقاومون المتطوعون من الضفة الغربية وقطاع غزة ودول الخليج الى جانب مصريين وسوريين وعراقيين وطلبة فلسطينيين يدرسون في اوروبا الى داخل الاردن للالتحاق بالمقاومة وحركة فتح بالذات ، وتدفقت اليها الاموال والمعدات والتأييد السياسي والعسكري من مختلف انحاء العالم العربي .
القوة الفلسطينية في الاردن
وبعد عدة اشهر اصبح الفلسطينييون قوة وشكلوا دولة ضمن دولة ولم يستطع النظام الاردني التعرض لهم حتى حينما شاركوه الوجود والنفوذ في العاصمة الاردنية ذاتها ، وحمل الوجود الفلسطيني منذ ذلك التاريخ تعددا وتشرذما في المنظمات والفصائل واذرعتها المسلحة وممارساتها المتناقضة نتيجة لاختلاف الرؤى والمصالح والتحالفات الداخلية والخارجية وظهرت تنظيمات فلسطينية سياسية وقتالية قادرة على التأثير في القرار الذي تتخذه اية قيادة سياسية مشتركة . وكان بعض تلك الفصائل قديما وبعضها جديدا وبعضها انشئ بمبادرات فلسطينية ذاتية وبعضها بدعم أو ايماء من انظمة عربية مجاورة سورية او مصرية او حتى اردنية .
وحافظت بعض الفصائل والمنظمات الفلسطينية الكبرى خاصة حركة فتح على التزامها بالهدف الاساسي لتواجدها في الاردن والمتمثل في العمل من اجل العودة لبلادهم وتحقيق حريتها واستقلالها في تفهم كامل للاوضاع السياسية والمجتمعية السائدة في محل تواجدهم واستمر تدفق المئات من الفلسطينيين على مراكز التدريب التابعة لها في الاردن املا في تحقيق حلمهم في العودة الى الوطن وتطورت الامور بامتداد المدة التي كان العمل فيها مفتوحا امام فصائل المقاومة الفلسطينية في غياب سلطة أردنية صارمة وزادت عمليات المقاومة الى داخل الاراضي الفلسطينية ذاتها وازدادت الحصيلة من الشهداء والاسرى والجرحى وتزامن مع ذلك مظاهر سلبية في علاقة حركة المقاومة بكاملها من جهة والنظام الاردني من جهة اخرى وتسبب ذلك في تردي العلاقات ووقوع عدة اشتباكات . واتسعت تلك المواجهات الى صدامات بين بعض المنظمات والفصائل مع بعضها الاخر وتركز وجود العديد من هذه الفصائل داخل عمان وليس على حدود المواجهة مع اسرائيل في محيط نهر الاردن أو داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة .
المواجهة ليست مع اسرائيل
وتحت عنوان “المقاومة” اقيمت الحواجز في الطرقات وتم اختطاف بعض المواطنين وتهديد بعضهم الاخر وجاء عدد من الشباب في سن المراهقة ممن التحقوا بفصائل المقاومة الى صالونات الفنادق الاردنية الكبرى يحملون معهم ايصالات التبرعات التي كانوا يجمعونها من الزائرين وبعضهم أجانب تحت تهديد السلاح وحاول عرفات ضبط هذا الوضع وانشأ نوعا من الدوريات المشتركة لوقف هذه التجاوزات التي بدأت في تغيير مشاعر المواطنين الاردنيين والفلسطينيين ولكن هذه المحاولات لم تجد نفعا في ظل التأييد والاستقلالية المطلقة التي تمتعت بها بعض الفصائل الفلسطينية والتي مكنتها من اتخاذ أي قرار تريده واتخاذ أي اجراء تشاء دون أي اعتبار لتأثير ذلك على الوضع الهش للعلاقات المجتمعية والداخلية في الاردن وارتفعت حدة الشعارات لبعض تلك الفصائل والمنظمات والجماعات على نحو يهدد وجود النظام الاردني نفسه . واصبحت الساحة الأردنية مشهدا لتصارع الايدولوجيات وتصادم مصالح القوى الاقليمية والدولية ومجالاً واسعا امام كل من يريد تحقيق شعاراته واهدافه التي لم تكن تتماشى مع الواقع ولا الامكانيات المتاحة حتى ان البعض سعى لانشاء منظمات اهلية ونقابات وجمعيات واتحادات فلسطينية صرفة في بلد الاردنيين في تجاهل وتحد لمشاعر الاردنيين انفسهم .
الخروج عن السيطرة
ولم يكن عرفات سعيدا بهذا الوضع ولم يستطع فرض السيطرة لوقف هذه الاعمال حيث لم يكن عرفات او حركة فتح قادرين على التعرض لهذه المنظمات حتى الصغيرة منها والتي كانت مسلحة ايضا ومدعومة من بعض الانظمة العربية المجاورة للاردن بينما عرفات لم يكن راغبا في الدخول في مواجهة داخلية مسلحة بين الفلسطينيين انفسهم .وفي شهر اغسطس عام 1970 قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باضخم عملية عسكرية لها في مجال خطف الطائرات المدنية بالسيطرة على اربع طائرات من جنسيات مختلفة ومن بلدان مختلفة تم اجبار ثلاث منها على الهبوط في مطار صحراوي مهجور بينما فشلت محاولة اختطاف طائرة رابعة في مطار لندن وتم القاء القبض على منفذيها الذين كانت تقودهم السيدة ليلى خالد القيادية المعروفة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فيما تم نسف الطائرات الثلاث بعد اطلاق سراح معظم ركابها نتيجة جهود اردنية وعربية واوروبية في محاولة من الجبهة الشعبية لإرغام السلطات البريطانية على اطلاق سراح ليلى خالد والاسرى الفلسطينيين في السجون والمعتقلات الاسرائيلية الامر الذي انصاعت له الحكومة البريطانية خلال فترة قصيرة بالنسبة للسيدة ليلى خالد بينما تجاهلته اسرائيل بشكل كامل وكانت تلك الازمة الدولية هي الدافع والمبرر الرئيس لقيام الملك حسين والجيش الاردني بمهاجمة مراكز منظمة التحرير الفلسطينية ومقراتها وقواتها في الاردن ونجاحها في اجلائها نهائيا من الاراضي الاردنية