رشيد الجار الله (حائل)
عندما ينادي المنادي «يابني تميم»تدرك وقتها انك في ارض استوطنتها اشهر قبائل العرب واعرقها قبل مئات السنين.. وعندما تدخل المكان ينتابك شعور هو مزيج من الرهبة والطمأنينة في آن معا ويتناهى الى مسامعك صليل السيوف يأتيك من مكان سحيق. وعندما تقف على تلك القبور تشم رائحة الموت والمعارك التي دارت رحاها حول موارد المياه. انها «قفار» على بعد مسافة (15) كلم جنوب حائل والتي كانت حاضرة وعامرة بالبطولات والامجاد. فما هي قصة هذه القرية التي لم يبق منها سوى اطلال وتحول اسمها الى حائل؟
اسم حائل كمدينة لم يطلق عليها الا مؤخراً كما ذكر ذلك الشيخ حمد الجاسر في (معجم شمال المملكة) حيث كانت الشهرة والمجد لقفار قبل قرنين وما كان يطلق اسم حائل الا على الوادي الذي كانت تقع قفار على ضفته الغربية وهو وادي (الاديرع) حاليا واسمه حائل سابقا لانه اذا سال يحول بين ساكنيه من الغرب والشرق.
وقفار كانت حاضرة شامخة منيعة توازي حائل بل ان «موزل» ذكر انها اكبر من حائل حينما زارها مطلع القرن التاسع عشر مشيراً الى ان فيها خمسمائة عائلة من بني تميم في حين كان في حائل 250 عائلة فقط.
المستشرق الفنلندي جوري او غست فالين الذي يعد اول رحالة غربي زار جزيرة العرب تحدث عن قفار وافاض واسترسل في وصفها كأكبر بلدة في المنطقة ابان زيارته لها في العام 1845م كما انه لم يهمل وصف ساكنيها في تلك الفترة وما هم عليه من الزهو والحضارة وكذلك وصفهم بأنهم (ارستقراطيون) مع محافظتهم على حياتهم الاجتماعية ودقق في وصفهم حتى أتى على ذكر ملامح الوجوه وضخامة الاجسام وطول قامات الرجال الملفتة للنظر.
وقد شهدت هذه الرقعة في حقب الزمان الماضي الكثير من القصص التي جمعت بين بساتينها وحقولها الخضراء واراضيها القاحلة المقفرة وبين قصورها وبيوتها المهجورة وبين ليالي البهجة والسرور وبين احزان وانين المصابين بمرض الحمى الفتاك وبين سلام وحروب دامية طاحنة خلفت مقابر كثيرة يشاهدها ويلحظها الداخل الى هذه القرية التاريخية القديمة.
قفار قديما
قفار قديما كانت عبارة عن اقليم ممتد او منطقة تضم الكثير من القرى مثل (سميراء- موقق- السبعان- الروضة- المستجدة- جبة- الابيرق بين الجوف وحائل- والغزالة- والمهاش- وقصير غضور- ووسيطاء الحفن- وجفيفاء وقصر الشعروات).. وفي شمال قفار الحالية مدينة قديمة لبني تميم تعد من اقدم حواضر نجد ويجزم بعض العارفين في التاريخ من المؤرخين بأنها من مدن اواخر القرن العاشر الهجري وفيها تحصينات حربية ضخمة تدل على فن المعمار الذي مازالت اطلاله باقية حتى اليوم رغم مرور السنين مع انه شيد من طين ولكن نظراً لاحتياج تلك الحاضرة لوجود الحصن المنيع جعلهم يبدعون في تشييده وبنائه حيث لم تستطع رياح الزمان طمس معالمه حتى ان البعض قال انها تشابه المدن الحصينة كقاهرة المعز وبكين حيث الاسوار الثلاثة المعروفة والمشهورة في قفار وهذه الاسوار هي عبارة عن سور اول يحيط بقلب المدينة القديمة النابض انذاك والذي توجد فيه المنازل والاسواق والمساجد وآبار الشرب ويسمى بقصر غياض وتعود التسمية لكظم الغيظ حيث ان اهل تلك الديار يغتاظ بعضهم من بعض ولكن عند هجمة الاتراك عليهم جعلوا الغيظ خلفهم وجدوا في بناء ذلك القصر المشيد الذي سمي (غياض) كما ذكرنا والروايات كثيرة حول صحة التسمية ولكن تبقى الحقيقة المسلم بها وهي ان غياص قلب تلك الحاضرة ومصدر فخرها وعزها.. ثم يأتي السور الثاني الذي يحيط بالمزارع وكانت حقول الزراعة غنية بشتى اصناف المزروعات.. وبعد ذلك الجدار او السور الاخير الذي كان يضم المراعي الواسعة الممتدة على مسافات طويلة لرعي المواشي وكانت الجدران عريضة تختلف عما حولها من مبان حيث يبلغ عرض بعضها متراً ونصف المتر وفيها ابراج حربية عالية للمراقبة ولكن يختلف الفن ويزداد تقديراً وعراقة حين يكون البناء مزيجاً من الماء والطين والتبن كما هو معروف في بناء قصور ومنازل الطين قديماً، ولك هذا الابداع المعماري والتنسيق الهندسي ينم عن وجود حاضرة كانت تعرف ماذا تريد وماذا تفعل ولم يكن كل ذلك من فراغ فالحروب الطاحنة والاقتتال الدائم وشدائد الظروف كانت سبباً رئيساً في الوصول الى انماط مختلفة للبناء دفعاً للاخطار تحملاً للمعارك التي كانت تقوم احياناً بسبب شح الموارد المائية في تلك السنين الخوالي.. ودل على ذلك كثرة الآبار الموجودة.. وقد قال دخيل الخوير أبيات فخر من جملتها:
من قفار وحايل ظهرنا
واعتلينا على عوص النجايب
مع مضيق الشعيب انحدرنا
مثل مزن ثقفته الهبايب

وعند الحديث عن قفار لابد من الوقوف طويلاً عند الحروب الشرسة التي سجل فصولها الزمان بمداد من ذهب وتخضبت بدماء الدفاع عنها وهي مشاهد ومواقف البطولة التي جسدها اهل ذلك الزمان من بني تميم سكان قفار لايقاف المد التركي الغاصب الذي اجتاح تلك البلاد بعتاده وقواته ولعل اكثر ما كتب عن هذه القصة بموضوعية الاديب فهد العريفي يرحمه الله حين وصف اهلها بأنهم على جانب كبير من القوة والمنعة ولا يستطيع ان يقتحم حاضرتهم في ذلك الوقت اي غاصب مهما كانت جيوشه لعلو شأنهم وقوتهم ثم عرج على سقوط الدرعية على يد ابراهيم باشا بقوة عتاد الدولة التركية انذاك التي كانت تبذل ما تملكه كمنح سخية لحاكم مصر حينها (محمد علي باشا) في سبيل تحطيم الحكام العرب الذين لا يدينون لها بالولاء والطاعة فأرسل حملة قوية للقضاء على قفار وحائل وما يتبعهما من القرى والبوادي وقد اضطرت هذه القوة للبقاء على بعد حوالى ثلاثة اكيال في جنوب شرقي قفار..كما يضيف العريفي انهم بنو اقصرا لا تزال اثاره قائمة الى هذا اليوم وجلسوا ينتظرون حصول ثغرة في صفوف اهالي قفار لعلهم يستطيعون من خلالها الولوج والسيطرة لكن وجود العدو لم يزد اهل قفار على حد قول العريفي الا التفافا وتلاحما بل جعلهم يقفون صفاً واحداً للدفاع عن كيانهم وارضهم وهنا لم تجد القوى المعادية من سبل اخضاعهم الا بارسال المتسللين الى قفار لاستطلاع الامر.
ويؤكد العريفي ان اهل قفار كانوا وقت اشتداد الحملة عليهم يتعاونون لبناء السور الشرقي لقفار ويقيمون حينها الابراج ومن بينها برج غياض المعروف.
وهنا ينتهي كلام العريفي لان الروايات عديدة حول قصة الرجل الذي دفن وسط البناء الا انها تبقى حقيقة مشاهدة لبقاء رفاته وفتات عظامه في سور قصر غياض الشهير من جهته الشرقية بالقرب من البوابة الرئيسية للقصر الذي تعود ملكيته لبني تميم حيث جابه المتحصنون الهجوم الغاشم بعزم الرجال بعد التوكل على الله والاعتماد عليه.. ويروي الرواة عدة قصص مثيرة تلك الحادثة الشهيرة التي اكثرها رواجا هي الخطة التي رسمت لارهاب العدو الطامع وهي البناء على الجاسوس وهو حي ليراه الجاسوس الآخر ويخبر بالحادثة ويحكي شراسة وبأس واقدام اهل قفار فتقع الرهبة والهلع في صفوف الاعداء.. وهذا ماحدث فعلا ونجح «التكتيك» الحربي، حيث اتفقوا على جملة معينة ينشدونها وعندها يمسكون بالرجل ويرفعونه على الفور ليبنوا عليه بالطين فوق السور وكانت الاهازيج التي يرددونها تقول (عدو لبن عدو طين) وفي اللحظة المناسبة يضاف عليها جملة (عدو حدا الرجاجيل) كانوا ينطقونها باللهجةالعامية الدارجة.
هزيمة الاتراك
شاهد الجاسوس الاخر فعل الرجال بصاحبه فأصابه الذعر وولى هاربا يخبر ابراهيم باشا القائد للحملة الغازية في العام المؤرخ بسنة 1232 للهجرة فانسحبت تجر معها اذيال الخيبة وقد ارسل الجواسيس من اجل معرفة مدى تأثر اهل قفار برمي قذائف المدفعية التركية التي كانت تخترق الجدار الطيني ويقوم اهل قفار بسد الفتحات بالطين المجهز سلفاً فما كانت تتلاشى الاتربة والغبار حتى يرى الجيش التركي الحائط وكانه لم يصب بمقذوفاتهم القوية فأرسلوا جواسيسهم في محاولة اخيرة بعدما دب اليأس والهزيمة في داخلهم وحدث ماحدث لجاسوسهم فعرفوا وايقنوا ان لاقبل ولاطاقة لهم في محاربة القوم.
قال الشاعر عبدالمحسن الهذيلي واصفاً هذا الانتصار بأنه حق لا مرية فيه ولا كذب وان المعتدي هرب قبل ان يطلع عليه ضوء النهار في بيت من الشعر
حنا هزمنا الترك من غير تكذيب
خلوا قفار وشدوا الفجر هراب
ولكن لم تدم فرحة المنتصرين طويلا بعد هروب العدو حيث حل الوباء الذي لا ينفع معه شيئ والذي سمي (بحمى قفار) عندها بدأت تنهار اكبر حاضرة عرفتها تلك المنطقة وظل المرض يفتك بكل من يصيبه وهرب من الحمى من هرب وتفرق اهلها في الاقطار المجاورة ومات بعد مرور السنين كبار السن واستوطن ابناؤهم الديار الاخرى ولم يفكروا ان يعودوا اليها مطلقاً ومر قطار الزمان سريعاً واشرقت على الارض دولة جديدة ارسى دعائمها الملك عبدالعزيز يرحمه الله.
كنز قفار المفقود
قصة كنز قفار المفقود مازالت حديث المجالس بين مصدق ومكذب فمنهم من يصفها بالخرافة التي لا اصل لها ومنهم من قال انها حقيقة حتى ان محاولة التنقيب عن الكنز تحدث بين الحين والآخر ولم تنقطع حتى يومنا الحاضر وقد قبضت الشرطة قبل مدة على احدهم وهو يبحث عن الكنز ووجد عدداً من الحفر في مناطق قريبة من قصر غياض ومن داخل قصر الاتراك والروايات حول هذه القصة كثيرة ومنها ما ذكره الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز التيهاني من انه كان يسمع وهو طفل صوتا مخيفا يأتي من خلف برج غياض الغربي الذي مازال بعض اركانه قائماً حتى الآن وكان الصوت يخرج قبل الأذان الأول لصلاة الجمعة يقول التيهاني: سمعته مراراً وكنا نسميه صوت حارس الكنز وهو عبارة عن ثعبان يصدر صوت ثغاء مجلجل الا انه انقطع بعد فترة من الزمن ففسر البعض انقطاعه في تلك الايام بأنه ربما انتهى وقت حراسة الكنز ومنهم من ذهب الى ان الكنز قد سرق.
والجدير ذكره ان رواية الكنز ليست وليدة اليوم او الامس وانما عمرها اكثر من «200» سنة يتناقلها الناس جيلا بعد جيل ممن ورثوا تلك الحاضرة التي لم يبق منها سوى اطلال..