الشيخ عبد الله بن حسين بن ناصر بن مبخوت الأحمر( رحمه الله ) ولد في شهر شعبان للعام 1351هـ الموافق 1933م في حصن حبور بمنطقة ظليمة حاشد في أسرة ذات تاريخ عريق برزت منها أسماء آبائه من مشايخ حاشد بما لهم من أدوار مهمة في التاريخ اليمني المعاصر. تلقى دراسته الأولية في كتاب صغير بجوار مسجد حصن حبور على يد أحد الفقهاء الذي علمه القراءة والكتابة والقرآن الكريم ومبادئ الدين والعبادات. كان والده الشيخ حسين بن ناصر الأحمر منشغلاً دائماً مع الإمامين السابقين يحيى حميد الدين وابنه أحمد يحيى حميد الدين، فيما كان شقيقه الأكبر حميد بن حسين الأحمر رهينة لدى الإمام عن أسرة آل الأحمر.. ولذلك آلت مسؤولية الإشراف على شؤون العائلة إلى الشيخ الشاب عبدالله بن حسين الأحمر الذي تولى الإشراف على الأمور الخاصة في منزل الأسرة والممتلكات الزراعية الخاصة بها مثل متابعة العمال والرعاة والعناية بالمواشي، واستقبال الضيوف واقتضت هذه المسؤوليات أن يتنقل الى مناطق أخرى في بلاد العصيمات وغيرها في لواء حجة للإشراف على ممتلكاتهم وأراضيهم فيها.

تعرض والده الشيخ/ حسين بن ناصر الأحمر إلى التضييق والحبس من قبل الإمام أحمد بسبب شكوك في أن الشيخ (حسين الأحمر)كان له موقف مؤيد للأحرار الذين ثاروا ضد الإمام يحيى حميد الدين في ثورة الدستور العام 1948م.. فيما كان شقيقه محبوساً في حجة في الفترة نفسها وقد قضى الشيخ عبد الله ثلاث سنوات وهو يبذل جهوده لدى الإمام في تعز لإطلاق سراح والده وشقيقه. فظل سنة كاملة في ذلك ثم امضى سنة ثانية سجيناً لدى الإمام بدلاً عن والده حتى يعود ثم قضى سنة ثالثة بذل ما في وسعه لإطلاق سراح شقيقه الأكبر حتى نجح في إقناع الإمام بالسماح له ببضعة أشهر فقط يعود فيها الشيخ حميد بن حسين الأحمر إلى مسقط رأسه للزواج ثم العودة إلى سجن الإمام وسافر الإمام أحمد إلى روما للعلاج .
عاد الشيخ الشاب عبدالله بن حسين الأحمر إلى قريته بعد تلك السنوات الثلاث، واستقر هناك واستأنف الإشراف على الأمور الخاصة بالعائلة وشؤون القبيلة.
إعدام والده
في نهاية الخمسينيات وبعد سفر الإمام إلى روما تصاعد الرفض الشعبي ضد الإمام أحمد حميد الدين، وقاد الشيخ حسين بن ناصر الأحمر وابنه الشيخ حميد تحركات وطنية للقبائل ضد الإمام … لكن الإمام أحمد وبعد عودته من رحلته العلاجية ألقى خطاباً تهديديا في الحديدة وأقسم أنه لن يدع أحمر ولا أخضر إلا ويحرقه وقد نجح باستخدام أساليب غير معلنة في إلقاء القبض على الشيخ حسين الأحمر بعدما أعطاه الأمان ثم ألقى القبض على الشيخ حميد في الجوف بعدما سلم نفسه في وجه بيت الضمين وقد تم إرساله إلى الحديدة على متن طائرة خاصة ليعدم بعد ذلك في حجة. وبعد أسبوعين تم إعدام والده الشيخ حسين بن ناصر الأحمر كذلك في حجة. وكان الإمام قد أرسل قبل اعتقال الشيخين حملة عسكرية على قبيلة (حاشد) ومنازل آل الأحمر وممتلكاتهم عاثت فيها خراباً ودماراً واعتقلت بعض مشايخ حاشد.
وفي أثناء تلك الحوادث المأساوية المتتابعة كان الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر موجوداً في الحديدة بعدما أرسله والده لتهنئة الإمام أحمد بعودته من رحلة العلاج من إيطاليا ومكث في مقام الإمام في (السخنة) يحضر المقابلات والاحتفالات الرسمية. وعندما غدر الإمام بالشيخ حسين بن ناصر الأحمر وابنه الشيخ حميد واعتقلهما وتم ترحيلهما إلى حجة حيث أعدما الواحد بعد الآخر حينذاك كان الشيخ عبدالله قد اعتقل أيضاً في الحديدة بعدما تم إحضاره من السخنة بحجة الالتقاء بوالده وبعد أحد عشر يوماً من الاعتقال في سجن الحديدة تم ترحيله إلى سجن المحابشة والذي مكث فيه ثلاث سنوات حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م.
كانت فترة البقاء في (السخنة) في مقام الإمام أحمد فرصة مناسبة للشيخ عبدالله بن حسين الأحمر للتعرف على رموز كثيرة من رجالات اليمن من المشايخ والعلماء والسياسيين والمثقفين وكان ذلك بداية تدشين انخراطه في معترك القضية الوطنية والعمل السياسي.
دوره في الثورة
قامت ثورة سبتمبر 1962م والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ما يزال في سجن المحابشة.. وعند سماعه الخبر بدأ تحركاته لكسب ولاء المواطنين والجنود للثورة. وفي عصر اليوم نفسه أرسل قائد ثورة سبتمبر المشير عبد الله السلال برقية إلى عامل المحابشة آنذاك وجه فيها بإطلاق سراح الشيخ عبدالله والسماح له بالتوجه إلى صنعاء في أسرع وقت ممكن.
في اليوم الثاني لقيام الثورة توجه الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر بصحبة عدد من الجنود والشخصيات الذين كسب تأييدهم للثورة إلى منطقة (عبس) حيث قضوا ساعات في ضيافة القبائل ثم اتجهوا إلى الحديدة ووصلوها يوم السبت. وفي يوم الأحد- الرابع من عمر الثورة- وصل الشيخ إلى صنعاء واستقبله قادة الثورة في مقر مجلس قيادة الثورة وتم تكليفه بسرعة التوجه إلى المناطق الشمالية الغربية لمطاردة الإمام المخلوع محمد البدر وإلقاء القبض عليه. ومنذ ذلك اليوم قاد الشيخ عبدالله قبائل حاشد في معركة الدفاع عن الثورة والجمهورية دون هوادة ولا توقف ولا تأثر بالظروف السياسية المتقلبة في صنعاء حتى انتهت المعارك في يناير 1970م.
لقاؤه بالزبيري
كان أول لقاء يجمع بين الشهيد أبي الأحرار محمد محمود الزبيري والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، يوم وصول الشيخ إلى العاصمة للمرة الأولى في اليوم الرابع للثورة، ثم استمرت علاقة الرجلين حتى استشهاد الزبيري في 31 مارس 1965م. واتسمت علاقتهما بالاحترام والإعجاب فالشيخ عبدالله كان يرى في الشهيد الزبيري رمز الثورة اليمنية.. فيما كان الزبيري يرى في الشيخ عبدالله بطل الثورة والجمهورية الذي يقف هو وقبائله سداً في وجه محاولات العودة إلى العهد السابق وكان الاثنان يشكلان وحدة فكرية وشعبية مهمة في الصف الجمهوري، ووجد الشيخ عبدالله نفسه ينحاز إلى الشهيد الزبيري عند بروز الخلاف بين الجمهوريين والداعين للسلام والإصلاح بقيادة الزبيري من جهة وبين الجمهوريين الداعين لحسم الصراع بالقوة والسلاح بقيادة المشير عبدالله السلال ومعه القيادة المصرية في اليمن. ودعم الشيخ عبدالله موقف الشهيد الزبيري وإخوانه من العلماء والمشايخ والضباط، وتحولت مدينة (خمر) – المركز القبلي والعسكري الذي كان يواجه الملكيين- إلى هدف للعلماء والمشايخ والضباط الملتفين حول الزبيري في دعوته إلى السلام وإصلاح ذات البين وتنقية النظام الجمهوري من الممارسات السلبية التي أساءت للثورة والجمهورية. وبعد استشهاد القاضي محمد محمود الزبيري ظل الشيخ عبدالله الأحمر على وفائه له، وتبنى أفكاره الإصلاحية المستوحاة من الفكر الإسلامي المعاصر، وتوثقت علاقته بتلاميذ الشهيد الزبيري من دعاة الإصلاح القائم على الشريعة الإسلامية السمحة والتصور الإسلامي الأصيل الراشد بعيداً عن الانغلاق والجمود والتعصب من جهة وعن دعوات التفلت من الإسلام تحت مبرر التحرر الزائف من جهة أخرى.
إنقاذ ثورة سبتمبر
أسهم الشيخ عبد الله إسهاماً كبيراً في الإعداد والتنفيذ لحركة 5 نوفمبر التصحيحية 1967م التي أنقذت ثورة سبتمبر من الانهيار وفتحت الطريق أمام الانتصار والسلام، كما كان له دور بارز في مواجهة الأخطار الخارجية والداخلية التي تعرضت لها الثورة والجمهورية ولا سيما في مواجهة حصار السبعين يوماً الذي تعرضت له صنعاء عاصمة الثورة والجمهورية،وبذل جهودا كبيرة في التواصل مع القبائل المغرر بها بالدعايات الملكية وإقناعها بالثورة والجمهورية، وكسب ولائها لهم. وفي الداخل أسهم الشيخ عبدالله بقوة في مواجهة الجموح اليساري الذي أراد أن يصبغ الثورة والجمهورية بأفكاره ومبادئه المتطرفة المعادية لروح الدين الإسلامي.
رئاسته للمجلس الوطني
في العام 1969م انتخب الشيخ عبدالله رئيساً للمجلس الوطني للجمهورية العربية اليمنية الذي تولى صياغة الدستور الدائم للبلاد، وتأسيس قاعدة الشورى التي يقوم عليها النظام الجمهوري باعتبار الشورى أهم أهداف الثورة اليمنية التي جاهد من أجلها العلماء والمشايخ والمثقفون عبر أجيال طويلة.
وفي العام 1970م تم انتخاب الشيخ عبدالله رئيساً لمجلس الشورى والذي جسد تجربة شورية ديمقراطية متقدمة في ذلك الحين مقارنة بظروف التخلف والفقر التي كانت تعاني منها البلاد، وظل المجلس يقوم بواجبه حتى تم تعليق العمل بالدستور الدائم وإغلاق المجلس العام 1975م.
وكان الشيخ عبدالله من أبرز المنتقدين لسوء إدارة الدولة وانتشار مظاهر الضعف في مواجهة الفساد الإداري والمالي وعمليات التخريب الدموية التي نشرت الخوف والرعب في صفوف المواطنين وبددت ثقتهم بالدولة في عهد القاضي عبدالرحمن الإرياني ولا سيما في السنوات الأخيرة.
وافق الشيخ عبدالله على عملية انتقال السلطة سلمياً التي قام بها العميد إبراهيم الحمدي في 13 يونيو 1974م بعد استفحال الأزمة السياسية في البلاد. ودعم العهد الجديد باعتباره فترة انتقالية يتم فيها إنقاذ البلاد من السلبيات التي كانت تعاني منها ولا سيما في المجالين الأمني والاقتصادي ولكن البلاد سرعان ما دخلت في مرحلة جديدة من التوتر السياسي بسبب النزوع الفردي والرغبة في الاستفراد بالسلطة والتسويف في إعادة الحياة الدستوري عمله المؤسساتي
عند تأسيس المجلس الاستشاري العام 1979 عين الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر عضواً فيه، كما عين عضواً في اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام منذ تأسيسه العام 1982م حتى قيام الوحدة العام 1990م. وبعد قيام دولة الوحدة، وإقرار التعددية السياسية والحزبية تبنى الشيخ عبد الله الدعوة إلى تأسيس (التجمع اليمني للإصلاح) الذي ضم العلماء والمشايخ والمثقفين ورجال الأعمال والشباب والنساء من مختلف المناطق اليمنية من المهرة حتى صعده. واختير الأحمر رئيساً للهيئة العليا التحضيرية التي تولت مهام تأسيس الإصلاح في كل المحافظات اليمنية وقيادة التجمع حتى انعقاد المؤتمر العام الأول للتجمع اليمني للإصلاح في سبتمبر 1994م.
وحاز الشيخ عبدالله على ثقة المواطنين في دائرته الانتخابية في الانتخابات النيابية في أبريل 1993م. وانتخب في 15/5/1993م رئيساً لأول مجلس منتخب للنواب في ظل الجمهورية اليمنية وأعيد انتخابه في 18/5/1997م للمرة الثانية رئيساً لمجلس النواب وأعيد انتخابه في 10/5/2003م للمرة الثالثة رئيساً للمجلس حيث حاز على ثقة أعضاء المجلس .
في أثناء الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد (أغسطس 1993-يوليو 1994م) نجح الشيخ عبدالله في الحفاظ على سلامة السلطة التشريعية ووحدتها رغم حالة الفوضى والتشتت التي عانت منها اليمن قرابة عشرة أشهر. وقد أسهم إسهاماً كبيراً في الجهود السياسية لتطويق أزمة الانفصال والدفاع عن الوحدة اليمنية في الداخل والخارج حتى تحقق النصر في يوليو 1994م.
وفي12 يناير 1995م رأس وفداً يمنياً رفيع المستوى إلى المملكة العربية السعودية لمواجهه التداعيات الخطيرة حول أزمة الحدود اليمنية السعودية، وظل الشيخ عبدالله في المملكة قرابة 40 يوماً حتى نجح في التوصل إلى توقيع مذكرة التفاهم في 27 رمضان 1415هـ التي فتحت الطريق أمام عودة العلاقات الطبيعية بين الجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية وصولاً إلى توقيع اتفاقية الحدود في 12 يونيو 2000م.