الدية الشرعية تحولت إلى إجراء يشابه اجتهادات رؤية القمر وتحديد الشهور كلها تخضع لاجتهادات فردية وتؤثر فيها الظروف الزمانية والمكانية والملابسات الشخصية والذاتية، وتقديرات الأشخاص المخولين بقبولها وإعلانها. ولم يتدخل حتى تاريخه الجهاز الرسمي الرابط بين جموع المسلمين لتحديد سقف الديات وآليتها منعاً للالتباس والمزايدة والانتهازية! وإذا كان اعتماد الرؤية بالعين المجردة للأهلة ومواقيت دخول الشهور المباركة وخروجها قد وجد سيلاً من التبريرات والتعليلات، فإن تحديد الديات الشرعية في العالم الإسلامي لايجب أن يبقى متاحا على مصراعيه نهباً للاستغلاليين والانتهازيين وداعماً للفتنة بين المسلمين المتخاصمين أو المتضررين، ومفسداً للحكمة منها في الشرع، فحتى تاريخه يستخدم لفظة (الدية الشرعية) لكن الأرقام الواردة تحت هذا اللفظ هل حقاً الشرع يوافق على المزايدة بها وارتفاعها إلى حدود رقمية مبالغ فيها؟! ومن جانب آخر ببساطة يمكن الاستدلال على أن «الدية» المقدرة عن القتل غير العمد مختلفة في نفس المكان من شخص إلى آخر.. ومن جنس إلى نوع جنس آخر! في نفس المكان! ومختلفة جداً عن نفس الجنس ومن مكان لآخر! عدا أن «الفدية» وإنقاذ رقبة من القصاص خضع في الآونة الأخيرة لنوع من المزايدات والتقديرات بلغت الملايين دون رادع وذوو الدم أو الراغبون في إنقاذ رقبة المنتمي لهم سوف يبحثون عن شتى الوسائل للدفع حتى يبقى ابنهم على قيد الحياة!
إنها المساومة واستغلال نقطة الضعف فهل يصح أن تبقى الحال على ما هي عليه باسم الشرع؟!! وما جرى لحادثة السائقة السعودية في مصر لم ينته إلا بعد أن تصالحت مع ذوي الميتين في الحادث ولاحظوا هذه الأرقام.. دفعت دية للسائق المصري قيمتها (350 ألف جنيه مصري) نحو (238 ألف ريال).. هل لو كان المتوفى -رحمه الله- سعودياً في مصر يُدفع فيه هذه الدية؟! ولو كان مصري في السعودية توفي نتيجة حادث هل هذه «الدية» التي تدفع فيه؟! أما الأذربيجاني المتوفى في نفس الحادث -رحمه الله- فديته المدفوعة فيه (200 ألف جنيه) أي ما يقابل تقريباً (136 ألف ريال)!! ولا تسألوني عن الفرق بين الرقمين في الديتين لأني لا أعرف لماذا الفرق؟!! إذا كانت الدية شرعية! أما إذا كانت «مكانية» أو «شخصية» فأعرف الإجابة!! أما علاج المصاب شفاه الله فقد تم الاتفاق على سداد (150 ألف جنيه.. ما يعادل 102 ألف ريال).. هذا قبل أن يتم علاجه عرفوا التكلفة طبعاً بالتقدير.. يا ترى كم عدد المصابين في السعودية الذين لا يستهلكون هذا المبلغ!! إنها فرصة محامي التعويضات التي منحها لهم التسيب في تحديد الديات والمؤسف أنه باسم الشرع! والمشرعون لاهون يفكرون الاختلاط حرام أم حلال.. وإرضاع الكبير يجوز أو لا يجوز!!