تمثّل دعوة الرئيس أحمدي نجاد لحضور افتتاح مؤتمر القمة لدول مجلس التعاون في الدوحة يوم الاثنين الماضي، تطوراً نوعياً في علاقات المجلس بإيران. وقد جرت العادة بأن يحضر وزراء الخارجية مثل هذه المناسبات البروتوكولية. ولكن حضور الرئيس أحمدي نجاد نفسه للمؤتمر يمثّل إيماءة دبلوماسية مهمة من قبل دول المجلس تجاه إيران، وتجاوباً إيرانياً لهذه الإيماءة. ففي الوقت الذي تزداد فيه الضغوط الدبلوماسية من الولايات المتحدة على إيران، فإن إيران تريد أن تخرج من العزلة التي فرضت عليها من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة بسبب برنامجها النووي. وتشعر إيران بأن هذه العزلة ربما تكون في طريقها إلى الانجلاء المحدود، خاصة مع إعلان تقرير الاستخبارات الأمريكية بأن إيران قد جمّدت برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003م، بالرغم من مواصلتها لعملية التخصيب التي تعتبر العمود الفقري للمفاعلات النووية ولأي تسلّح نووي مستقبلي.
وبالرغم من أن الصحف الإيرانية قد أعلنت قبيل مجيء أحمدي نجاد إلى الدوحة، من أن نجاد يريد أن تتناسى دول الخليج موضوع احتلال الجزر الإماراتية الثلاث، إلا أن اجتماعه برئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد، قد أعاد وضع العربة في مساقها الصحيح، وأوضح لإيران بأن علاقاتها مع دول الخليج العربية لا يمكن أن تكون طبيعية بشكل كامل إلا بلجوء كل من إيران والإمارات إلى محكمة العدل الدولية، حيث لم تنجح المساعي المتعددة الأطراف والمحادثات الثنائية في وضع آلية لإيجاد حلول دبلوماسية لهذه المشكلة. ومع ذلك فإن زيارة أحمدي نجاد ترينا أن هناك محاولة من قبل القيادة الإيرانية لفتح صفحة جديدة وإعادة المياه إلى ما كانت عليه خلال فترة حكم خاتمي من تحسّن ملحوظ حينها في العلاقات الخليجية- الإيرانية. وتطمح إيران مجدداً إلى تحسين هذه العلاقات الاقتصادية، حيث تعتبر موانئ الإمارات العربية المتحدة نافذة خلفية للتجارة الإيرانية مع الخارج، وإذا ما أغلقت هذه النافذة جزئياً، فإن هناك العديد من التجار الخليجيين والإيرانيين الذين سيتأثرون سلباً بمثل هذه القرارات. كما تطمح إيران إلى توقيع اتفاقية أمن مشترك مع دول الخليج.
ولكن هذه التحسينات السطحية يجب أن تعكس أعماقاً جوهرية. فلازال الاقتصاد الإيراني يشبه اقتصاداً اشتراكياً بينما جميع دول الخليج تأخذ باقتصادات السوق المفتوحة. وتركز إيران على البناء العسكري، وهو ما يحرم اقتصادها من استثمارات حقيقية في المجال المدني، وبالتالي يغلق بعضاً من عدم التجانس مع دول الخليج التي تنبذ العسكرة، وتركز على التجارة. ويخشى الكثيرون في دول الخليج من أن سعي إيران لتوقيع اتفاقات أمنية مع دول الخليج يشبه مسعى صدام حسين قبل عقدين من الزمن، حين وقع اتفاقيات عدم اعتداء مع دول الخليج قبيل غزوه لدولة الكويت. ولا يمكن أن تكون هذه الاتفاقيات ذات معنى إلا إذا كانت مبنية على أسس واضحة وجلية، خاصة في موضوع تدخل إيران في الشؤون العراقية، الذي لا يهدد الأمن والاستقرار والوئام الاجتماعي في العراق نفسه، بل يهدد الأمن الاجتماعي في معظم دول المشرق العربي، بما فيها دول الخليج العربية. فالمطلوب إذاً تصوراً أمنياً واقتصادياً شاملاً يمكن أن يخلق علاقات تناغم بين دول الخليج وجارتها الشرقية، إيران. ومع ذلك فإن كلا الجانبين يفتقدون بحرارة ذلك الانفتاح الثقافي والسياسي الذي قاده كل من رافسنجاني وخاتمي في منتصف التسعينات. ونأمل بأن تكون عودة أحمدي نجاد إلى النمط الذهني الذي كان سائداً حينئذ هي عودة حقيقية، وليست مناورة سياسية محكومة بظروف دولية طارئة.
أحمدي نجاد ومؤتمر القمة الخليجي
7 ديسمبر 2007 - 19:54
|
آخر تحديث 7 ديسمبر 2007 - 19:54
تابع قناة عكاظ على الواتساب