استكمالا لحوارنا مع الفنان بكر شيخون حول الفن والابداع.. ننطلق هنا من الشكل ونسأله:
كأنك تعلي من شأن الشكل وتقدمه على المضمون، في حين ان هناك من يتهم اعمالك الاخيرة بافتقارها الى الشكل؟
- انا أؤمن بحقيقة ان الشكل هو الذي يميز الفن عن غيره، لكن هذا لا يعني الحط من قدر المضمون، ذلك لان الفن ليس شكلا فقط، اما القول بافتقار اعمالي الى الشكل فهذا لايزعجني، فهو مجرد سوء فهم او ربما اختلاف في وجهات النظر حول مفهوم «الشكل» وبالتالي هو ليس اتهاما جديا.. خذ مثلا عملي المسمى «الة الفوشار» ستجد «حركة» متواصلة ناتجة عن تدافع الفوشار آليا على فوهة المكيال الخشبي.. وستسمع (الصوت) الخفيف الذي يحدثه التساقط البطيء لحبات الفوشار وتناثرها على الارضية الممتدة ذات «اللون» الازرق الداكن - ما يشكل «تباينا» مع لون حبات الفوشار المتناثرة حول العمل.. كل هذه العناصر تمثل في مجموعها «شكلا» غاية في البساطة لكنه مكتمل، فهو لايزيد ولاينقص عن ما يتطلبه العمل.
وماذا عن مجرد «ورقة التقويم» او «مقطع من جريدة يومية» يجري تكبيره، او مجموعة مواقد غاز مع ادوات لغلي الماء فتسميها فنا وتطلق عليها اسم «سيمفونية» ما كل هذا العبث -يتساءل البعض- في حين يرى البعض الاخر ان هذه الاجراءات هي مجرد نتاج للعجز.. بماذا ترد؟
- فكرة العجز هذه فكرة واردة، وهي مغرية، ومن السهل ترويجها، لكنها لاتعني بالضرورة عجزا في قدرات المبدعين، فإذا كان المقصود هو عجز ادوات التعبير السائدة عن اشباع حاجاتنا الحالية فانا اتفق مع هذا الرأي، فمن اجل هذا انا اشارك بحماس في هذه الالعاب الجديدة وبجدية لاتعرف المزاح، ولكي اكمل اجابتي اقترح ان نتوقف قليلا عند هذه النبرة الغريبة في قولي «العاب - لاتعراف المزاح» هنا تتجلى احدى مفارقات الفن الظريفة والمعقدة في آن، فوراء النشاط الجمالي، الاقرب الى مجال اللعب، ثمة جهود كبيرة -ذهنية وغير ذهنية، لابد ان تبذل من اجل اتمام مزاوجة غير اعتيادية بين مفهوم «اللعب» في الفن وبين افكار تنطوي على هواجس غاية في الجدية، فلابأس في هذه الحالة ان ابدت «ما بعد اللوحة» زهدا في الشكل المعتاد او ميلا للتضحية به من اجل شيء اهم، وهو الامر الذي يميز هذه الالعاب عن غيرها من الالعاب العابثة او المجانية.
لننتقل الى تجاربك الماضية واسألك عن المرأة. ما هي المساحة التي كانت تشكلها المرأة في اعمالك القديمة؟
- رسمت في بداية الثمانينات مجموعة اعمال تتناول موضوع المرأة مثل صبايا الحي، حديث صامت، وجه امرأة وما الى ذلك.. وفي مرحلة لاحقة مباشرة رسمت القلعة السمراء، رأس امرأة، شقراء البحر وغيرها، وقد تخليت -في هذه الاعمال الاخيرة- عن البعد الثالث، اذ نقلت عناصري الى السطح، هذا فيما يتعلق بالاعمال التي تشكل المرأة محورا لها، وفي موازاتها كانت هناك تجارب اخرى كثيرة يدور معظمها حول النقوش والكتابات العربية الى جانب بعض الاعمال التي تتناول تراثنا المعماري.
لكنك منذ سنوات لم تعد ترسم، لا المرأة ولا غير المرأة، فهل انت راض عن ما تقوم به الآن.. وهل تفكر في العودة الى الرسم؟
- ليس المهم بالنسبة لي في الفترة الراهنة ان ارسم أو لا أرسم، هذا مع الاقرار بحقيقة انني منذ البداية قليل الانتاج، وحاليا اكتفي بتقديم مالا يزيد عن ثلاثة او اربعة اعمال في السنة وفي مناسبات متفرقة، لكني اشعر بغاية الارتياح مع تجاربي الجديدة التي اعتقد بأنها ليست اقل تميزا عما قدمته سابقا، اما فكرة العودة الى الرسم فليست واردة - على الاقل في الوقت الراهن.
أنت لا تنكر بأنك مقل، لكن في أي سياق تضع هذه الحالة، أهو تقصير أم ماذا؟
- استبعد تماما فكرة التقصير، وكل ما في الامر هو أني ميال -وبدرجة كبيرة- نحو التأمل، وهذا يأتي عادة على حساب الحراك العملي.. واصارحك القول بأني اغبط احيانا أولئك الراكضون بلا هوادة وراء الانتاج، لكن لا يستطيع الانسان الا ان يكون هو نفسه، فأنا -ببساطة- لا أملك الشروط النفسية الضرورية لأكون منتجا بطريقتهم لأن طبيعة الأوليات عندي مختلفة، فتختلف بالتالي طريقة تعاملي مع الفن بحيث لا تؤدي الى وفرة في الانتاج.
وهل تعتقد بأن هذا امر جيد أم سيئ؟
- لست في وارد التقييم فيما اذا كان هذا امرا سيئا أو حسنا، بل افضل التسليم بأنه أمر متعلق بعدالة الخالق الذي يمنحك شيئا ويمنح غيرك شيئا آخر.
دعنا نعود الى اعمالك الاخيرة، اظن ان تنفيذ مثل هذه الاعمال مكلف ماديا ثم لا احد يرغب في اقتنائها فهل تواجه هنا صعوبات؟
- من طبيعة هذه الاعمال انها في مجملها لا تناسب فكرة الاقتناء، لكن ليست هناك صعوبات حقيقية، وكل ما احتاج اليه هو فترة زمنية معقولة لالتقاط الانفاس عقب الانتهاء من كل مشروع عمل، ومع أن الفكرة التالية عادة ما تكون جاهزة الا ان علي الانتظار ريثما تتوافر الامكانية، وفي اثناء ذلك امارس القراءة او الكتابة واطارد وراء المزيد مما يمكن اضافته من افكار الى قائمة الانتظار.. هذا -مع التنويه بأن بعض الاعمال لا يكاد يكلف شيئا.
وهل تضم قائمة الانتظار هذه الكثير من الاعمال، وهل من سبيل للاسراع في تنفيذها؟
- لا اقول بأن لدي الكثير لكن في ذهني عدد لا بأس به من الافكار الملائمة، اما الاسراع في التنفيذ فأنا لا أميل بالاساس الى الاستعجال.. وربما من حسنات التأجيل - سواء بسبب الانتظار الجبري أو الطوعي- هو انه من غير المناسب لمثل هذه الاعمال ان تقدم دفعة واحدة ثم ان بعضها يحتاج فعلا الى الكثير من التريث قبل الشروع في التنفيذ.
يتهمك البعض بالتردد فمن المعروف بانك قدمت منذ اكثر من عقدين لوحة «الريال» التي يمكن تصنيفها كعمل مفاهيمي، أليس من المفارقة ان لا يأتي اهتمامك الجدي بالمفاهيمية الا في السنوات الاخيرة؟
- المفارقة هي انني لم اكن اعرف آنذاك بأن لوحة الريال تنتمي الى المفاهيمية،، او دعني اقول بأني لم اتعرف بشكل جيد وايجابي الى مثل هذه التوجهات الجديدة الا في نهاية التسعينيات.. وانا بطبيعتي المحافظة لا احبذ القفزات غير المحسوبة وليتهمني من يريد اتهامي بالتردد أو تعقيد الأمور.
السؤال الاخير حول كتابك، ذاك الذي نسمع به منذ سنوات ولم ير النور بعد، أين وصل هذا المشروع التعيس؟
- لقد اصبت في نعته بالتعيس، فهو أولا «مجرد كتاب» وثانيا لأنه كتاب يتحدث في الفن التشكيلي - الاكثر تعاسة، لكني آمل ان يجد طريقه قريبا الى النشر وعلى أي حال، هو الآن في عهدة دائرة الثقافة والاعلام لامارة الشارقة، ومن المقرر -بحسب برنامج الدائرة- ان يرى النور ضمن مطبوعات هذه السنة 2007م.
الأرض مليئة بالمعاني لذلك أصطاد أفكاري منها
بكر شيخون: 3 أعمال في العام تكفيني وليس مهماً أن أرسم أو لا
29 نوفمبر 2007 - 21:21
|
آخر تحديث 29 نوفمبر 2007 - 21:21
بكر شيخون: 3 أعمال في العام تكفيني وليس مهماً أن أرسم أو لا
تابع قناة عكاظ على الواتساب
حوار: هشام قنديل