في سوق الثلاثاء الشعبي بمدينة الضباب ابها تستوقفك الكثير من الملامح التراثية لهذا السوق الذي يعد جوهرة اثرية يربط الماضي بالحاضر، كل شيء في هذا الموقع يتنفس برئة الاصالة، الدكاكين المطلة على الردهات المفتوحة والبسطات الممتدة في السقائف القديمة والوجوه القادمة من فجاج بعيدة كل هذه المنظومة تفتح شرفة «لحوار الاماكن» وتترجم عراقة هذا السوق وخصوصيته. ويعتبر هذا السوق هو الاشهر من نوعه على مستوى المملكة بل هو اقدم الاسواق الشعبية ويعود تاريخ انشائه الى ما قبل العام 1320هـ حيث كانت بداية السوق خجولة في احد احياء ابها القديمة ولم يكن هذا الموقع لعرض السلع بل كان من اكبر التجمعات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وملتقى الباعة والمشترين وموقع لعقد الصفقات ومجالس للمشورة كما كان وسطاً لتلقي الاخبار من مختلف مصادرها فهناك من يقطع الفيافي وصولاً الى هذا السوق لمعرفة كمية الامطار التي هطلت في نواحي المنطقة استعداداً لموسم الرعي وهناك من يسأل عن الاسعار والمستجدات في الاسواق المماثلة في المنطقة. كانت ساحات هذا السوق تشهد في الماضي جلسات الصلح بين المتخاصمين واصلاح ذات البين وحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية كما كان للسوق ضوابط تسويقية تناقش في كل ملتقى ومعرفة مدى تطبيقها ولم يكن الشعر غائباً عن هذا الميدان فالشعراء كانوا ينطلقون نحو الشهرة من هذا الملتقى الابداعي الكبير وكان الشاعر الذي ينال اعجاب جمهور السوق يعتبر قد حاز على وسام فالسوق كان مكاناً لالتقاء النخب والشعراء والتجار من مناطق عديدة كما كان السوق ملتقى لتبادل التهاني والتعازي الخاصة بالعشائر والقبائل والافراد فكم من قضايا اجتماعية تم حلها داخل اروقته وكم من زيجة تم الاتفاق مبدئياً عليها في ساحاته.
معلم تاريخي
ولأن سوق الثلاثاء من المعالم المترسمة في مخيلة ابناء المنطقة فان هناك الكثيرين يحفظون سيرته ويعرفون اسراره وعالمه الخاص ومن هؤلاء العم ماضي العسيري الذي عاصر السوق منذ ان كان طفلاً وترعرع في جنباته.
يقول العسيري ان هذا السوق بمرور الوقت وتقادم السنوات كاد ان يفقد بريقه وتوهجه في ظل الطفرة التنموية التي تشهدها البلاد غير ان السوق تمكن الحفاظ على هويته الاصيلة بتعليمات من سمو الأمير خالد الفيصل حينما كان أميراً لمنطقة عسير حيث اصدر تعليماته بالحفاظ واعادة احياء دور الاسواق الشعبية في المنطقة وعلى رأسها سوق الثلاثاء الشعبي حيث صدرت تعليمات سموه باختيار الموقع المجاور لقرية المفتاحة التشكيلية ليكون موقعاً للسوق الجديد وبعد استكماله تم افتتاحه امام الباعة والمشترين.
واصبح يمثل تحفة فريدة وتناغماً مع المكان والزمان ببسطاته ودكاكينه وحضوره الشعبي الراسخ في الاصالة.
في الذاكرة
يواصل العسيري حديثه قائلا ان ذكريات سوق الثلاثاء القديم لا تزال مرتسمة في مخيلات العديد من الذين عاشوا تلك الايام ولا زالوا يعيشون في احضانه حتى اليوم.
واضاف كان السوق يعقد يوم الثلاثاء من كل اسبوع ويفد اليه التجار واصحاب السلع والمتسوقون من انحاء منطقة عسير كافة حيث كان هذا الموقع هو اكبر تجمع تجاري واجتماعي فالناس كانوا يشدون اليه الرحال منذ انبلاج ساعات الفجر الاولى خاصة القادمين من مناطق بعيدة.
ويستطرد ان جميع السلع والمنتجات في السوق كانت من بيئة المنطقة وما تنتجه الارض من خيرات. كما كانت تعرض فيه التمور والحبوب والهيل والبن والزنجبيل.
واضاف ان اجمل هدية كانت تقدم للصغار من ابائهم ان يصطحب الاب ابنه الى هذا السوق حيث كان الاطفال يفتخرون بزيارة ردهاته وتابع ان رواد السوق كانوا يتحلقون في حلقات متفرقة يتبادلون الاحاديث والقصص واخبار المناطق وكان المتسوق يعود الى اهله وهو محملاً بالبضائع والاخبار المختلفة.
اكبر تجمع نسائي
في سوق الثلاثاء تعرض كل متطلبات المتسوق والزائر والسائح والباحث عن الاشياء النادرة والتراثية واللافت للانتباه ان للبائعات حضوراً مكثفاً في هذا السوق ومن البائعات القدامى في السوق صالحة سالم التي اوضحت انها تعمل في دكانها بسوق الثلاثاء منذ اكثر من 44 عاماً ويمثل السوق مصدر دخلها الذي يوفر اللقمة لابنائها.
وتضيف انها تبيع الملابس النسائية والبخور وبعض المستحضرات العشبية التي تستخدمها المرأة في عسير مثل الحناء والديرم.
وعن مدى المكاسب التي تحققها قالت: كان الاقبال كبيراً على السوق في الماضي الا انه في الاونة الاخيرة بدأت العمالة الوافدة تسيطر على مجريات البيع والشراء حيث يمتلئ السوق بالباعة المتجولين يومياً.
وتستطرد صالحة قائلة قضيت في هذا السوق جل عمري منذ ان كان في موقعه القديم وحتى تم نقله الى مكانه الجديد فانا ابنة هذا السوق تربيت فيه وعشت بين ردهاته واصبح مصدر رزقي الوحيد ولن انسى ذكرياتي الجميلة فيه.
وفي ذات السياق يقول موسى اليزيدي الذي يعرض بضاعته من العسل والسمن انه يوجد في السوق منذ 60 عاما ولا يزال يزاول هذا النوع من التجارة وله زبائنه المعروفين.
واضاف ان السوق في الماضي كانت ترتاده وفود القبائل من اجل البيع والشراء وعقد مجالس الصلح بين المتخاصمين.
واضاف ان موقع السوق الجديد تتوفر فيه كافة مقومات الحياة وهو بمثابة اعادة النبض للماضي والتاريخ الاصيل.
معرض السلاح
من ضمن ابرز ملامح السوق معرض السلاح الاثري الذي يقوم عليه وينظمه سعيد الاحمري حيث يعد هذا المعرض المصغر ابرز ما يميز السوق.
الاحمري في دكانه بسوق الثلاثاء يعرض انواعا عديدة من الاسلحة القديمة والاثرية التي يتجاوز عمر بعضها المائتين عام.
يقول الاحمري قضيت عمري كله في هذه المهنة مهنة السلاح وجمع القطع الاثرية وتجديد السلاح وصناعته وانا اعرض بضاعتي في سوق الثلاثاء منذ اكثر من ستين عامت ولا ازال احافظـ على مهنتي منذ القدم.
مضيفا ان سوق الثلاثاء منذ القدم يحتوي مثل هذه المهنة العريقة وغيرها واصبح مزارا للباحثين عن التراث الاصيل من انحاء متفرقة من المملكة ومن خارجها.
الاحمري يقضي يومه بين ادوات صناعته والسلاح الاثري الذي يعرضه في محله والذي يحظى باهتمام الزوار والباحثين عن التراث.
ويبدي الاحمري ألمه وحسرته من عدم امتهان احد ابنائه الثلاثة عشر لهذه المهنة التي قضى حياته في جمعها وصناعتها.
يوم الثلاثاء
يوم الثلاثاء لا يعتبر يوما عاديا في وسط مدينة ابها فلا زالت حتى اليوم تحط قوافل الباعة والمشترين على حد سواء في هذا السوق الذي تضيق به شوارع مدينة ابها كل يوم ثلاثاء من كل اسبوع وبات سوق الثلاثاء رافدا من روافد السياحة في عسير تهوي اليه قلوب الباحثين عن التراث والاصالة والبساطة في نفس الوقت وتتلهف لرؤيته الاعين التي لا تهنأ الا عندما تربط الحاضر المبهر بالماضي التليد في مدينة الضباب.
ولا يزال الدعم مستمرا لهذا السوق الاثري الجميل ممثل في جهاز السياحة في عسير الذي يقف خلفه الامير المبدع فيصل بن خالد بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير.