وعجز هذا البيت «العنوان» جاء هكذا: «قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثوم»، وفي هذا البيت يسخر قائله من بني تغلب أو من التغلبيين لأنهم ظلوا عقوداً لاهين عن فعل المكارم على حد قول قائل البيت مكتفين بترديد قصيدة شاعرهم عمرو بن كلثوم التي جاء في مطلعها «ألا هبي بصحنك فاصبحينا/ ولا تبقي خمور الأندرينا»، وهي قصيدة رائعة يفاخر فيها الشاعر بقومه وحسبه ونسبه ويهاجم فيها الزعيم البدوي عمرو بن هند الذي جاءه الشاعر ليمدحه وينال عطاياه وكانت معه والدته التي دخلت في خِباء والدة الزعيم عمرو بن هند فأهانتها عندما أمرتها بخدمتها، فصاحت العجوز يالتغلب! فما كان من شاعر تغلب إلا أن علا رأس عمرو بن هند بسيفه ثم أخذ ينشد قصيدته الخالدة التي لم تزل محفوظة تنشد ويستشهد ببعض أبياتها بعد إنشاده لها بمئات السنين وهي أشهر من أن تُروى!
وقد مرّ بخاطري ما قاله الشاعر الناقد لبني تغلب والقصيدة الكلثومية التي ألهَتْ بني تغلب عن كل مكرمة، إثر قراءاتي لما كتب ونُشر في الصفحات الفنية والثقافية بل والسياسية في الصحف المحلية عن العمل الدرامي السوري الناجح «باب الحارة» لأن بعض من كتب مادحاً هذا العمل الفني السوري حاول أن يصور للقراء أن مائة عام من الأعمال الفنية الدرامية المصرية قد سقطت دفعة واحدة أمام مسلسل «باب الحارة» وأن التاريخ الفني المصري المليء بالروائع من المسلسلات والأعمال الفنية المبنية على قصص وروايات كبار الأدباء في مصر مثل محمد عبدالحليم عبدالله ويوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ وغيرهم والتي ظل المشاهد العربي من المحيط إلى الخليج يتابعها ويتأثر بها، أن هذا التاريخ الفني المفعم بالفن الجميل المؤثر ذاب واضمحل أمام عمل فني واحد؟! وهذا ما لا يقول به عاقل عادل صاحب ذائقة فنية.. لديه أدنى علم ومعرفة بالتاريخ الفني العربي، ولعل الأعجب في هذه المسألة أن كتاباً من مصر تأثروا بما ناله مسلسل «باب الحارة» من مديح جائر فأخذوا يُقلِّلون من شأنه وكأنهم بذلك التقليل سيحطون من قدره، مع أن الواقع يؤكد أن المسلسل قوي ومؤثر وناجح، ولكن كل ذلك لا يعني أن مسلسلاً واحداً مهما بلغ من النجاح كافٍ لمحو التاريخ الفني العريض لمصر، كما من السذاجة أن يُصرح مخرجون من سوريا أو غيرها تعليقاً على نجاح المسلسل المذكور بأنه قد كتب النهاية للتاريخ الفني المصري!، وإلا صدق على هؤلاء قول الشاعر الناقد لبني تغلب لأنهم قد ألهتهم عن المكارم قصيدة قالها عمرو بن كلثوم.. فقد انشغل هؤلاء بمسلسل واحد ناجح وظنوا أنهم بلغوا به القمة وتركوا غيرهم في نهاية السفح مع أنه لا باب الحارة ولا باب الطهارة يمكن أن يجعلا من القمة موطئاً سهلاً لأحد من الناس!!