هناك أشخاص أنعم الله عليهم بالطلاقة في الحديث، فتجدهم يمسكون بثقة بزمام البلاغة وحسن البيان حتى لا يمل مجلسهم والإصغاء إلى حديثهم، لكنهم في بعض الأحيان تجدهم وقد أصابهم العي والحصر فألجموا فما يكادون يجدون لهم تعبيراً ينجدهم ولا بياناً يوافيهم.
ما الذي يسبب للناس الحصر في بعض المواقف حتى ليحارون نطقاً؟ أهي رهبة الموقف وجلاله؟ أم الدهشة والانبهار؟ إنه سر خفي، ذاك الذي يعقد الألسن الطليقة فلا تجد مفراً من الانصياع للصمت.
ولعل أكثر من تحدث عما يصيبهم من عي وحصر في بعض المواقف هم العشاق من الشعراء، الذين يكثر ذكرهم للمواقف التي تلجم فيها ألسنتهم فما يستطيعون النبس بكلمة. وهم يصابون بالحصر ليس عن طبيعة وقصور فطري فيهم وإنما لجلال اللحظة التي تحيط بهم. فأبو فراس يصف نفسه بأنه بين قومه كسحبان في فصاحته وبلاغته، لكنه عند الحبيبة كباقل في العي:
وإني لمقدام وعندك هائب
وفي الحي سحبان وعندك باقل
بل إن شاعراً مثل المتنبي يجعل من العجز عن الكلام في حضرة الحبيب تعريفاً للحب: «الحب ما منع الكلام الألسنا».
ورغم أن الصمت أحياناً يكون له جمال لا يقدر، وفي بعض اللحظات قد يكون في إيصاله للمعاني، أبلغ من كل الكلام. إلا أن عيب الصمت في بعض الأحيان أنه يحرم صاحبه من فرصة التعبير عما في داخل النفس كما اعترف بذلك جميل بثينة:
وإني لينسيني لقاؤك، كلما
لقيتك يوماً، أن أبثك ما بيا
ولعله من قول جميل هذا استلت أم كلثوم عبارتها الشائعة «ولما أشوفك يضيع مني الكلام وأنساه». وضياع الكلام ونسيانه لا يوقع صاحبه في الصمت وأسر الحصر فحسب، وإنما هو أيضاً يفقده القدرة على تبيان الحجة والدفاع عن نفسه متى احتاج إلى ذلك، فيضحي دائماً مغلوباً على أمره عاجزاً عن تبرئة نفسه، فمتى ضل الرشد ضل معه القول كما يعترف بذلك أبوفراس:
يضل علي القول إن زرت دارها
ويغرب عني وجه ما أنا فاعل
وحجتها العليا، على كل حالة
فباطلها حق، وحقي باطل
أعاذنا الله وإياكم من الحصر والعي وفقد الحجة ومسبباته.

فاكس 4555382