يعتبر القضاء بين الناس وحسم النزاع الناشب بين الخصوم واعطاء كل ذي حق حقه أمراً واجباً وفريضة متبعة، جاء بها التشريع الاسلامي وارسلت بها الرسل وانزلت بها الكتب فالغاية منها اقامة العدل بين الناس، ولقد وضعت لهذه العدالة أسساً ثابتة واحكام راسخة وانيطت المسؤوليات الجمة بمن يتولى منصب القضاء فجعل الحكم بين الناس أمانة كبيرة ملقاة على عاتق من يسند إليه ويوكل له أمر الفصل في الخصومات بين عباد الله وذلك باعتبار السلطة القضائية أداة ووسيلة شرعية لحفظ حقوق العباد والمحافظة على ابضاعهم، واعراضهم وأموالهم وحرماتهم، وممتلكاتهم، وقد أولى الخلفاء وملوك الدولة الاسلامية أهمية عظمى للولايات الدينية كولاية القضاء والمظالم كون هذه الولايات ضرورية من ضروريات المجتمع الاسلامي لما فيها من التوفيق في الاحكام والعدل والانصاف بين الخصوم واعطاء كل ذي حق حقه مما فرضه الشارع الحكيم.
فمرفق القضاء الشرعي من أولى الولايات الدينية التي اولاها الملك المؤسس عبدالعزيز رحمه الله الاهتمام والرعاية وربط ولايتها به مباشرة وكان أول عهد التنظيم القضائي ابقاء وضع القضاء على ما كان سايراً عليه في الحجاز ثم بدأت تباشير التطوير تدريجيا وفق عهود ملكية مختلفة فظل ما يقارب ثمان وثلاثين سنة يسلك مسالك التغيير والتطوير المتأني منذ 1975م مع بعض التعديلات بموجب مراسيم وأوامر ملكية ثم جاء الوقت المناسب الذي اعلن فيه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز اجراء النقلة التطويرية الحضارية لمرفق القضاء وحمل مسمى (مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير مرفق القضاء) وتجلى ذلك بصدور المرسوم الملكي ذي الرقم م/78 في 19/9/1428هـ بالموافقة على نظام القضاء وهو تحت منظومة الاطار الشرعي والقانوني لولاية القضاء فشمل النظام القضاء الشرعي وما يعرف بالمدني في فقه الأنظمة الغربية فجرى التقسيم على القضاء الشرعي، والقضاء التجاري، والقضاء العمالي، وقضاء الاحوال الشخصية، والقضاء الجنائي.
وبالقاء نظرات استقرائية يتضح منها ان ما جرى هو تعديلات أساسية وجوهرية لمؤسسة القضاء من حيث تعميق مفهوم الاستقلالية القضائية (القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير احكام الشريعة الاسلامية والأنظمة المرعية وليس لأحد التدخل في القضاء) وشرع النظام بالأخذ بمبدأ التخصص في سابقة غير معهودة في نظام القضاء الشرعي حيث افرد النظام في مواده انشاء محاكم متخصصة للقضايا التجارية، والعمالية، والاحوال الشخصية فيما يتعلق بفقه وقضايا الأسرة وتناول الجوانب الادارية فوسع اختصاصات المجلس الأعلى للقضاء والنظر في المنظومة الادارية لشؤون القضاة الوظيفية من الاعارة، والتدريب والندب، والاجازات وغيرها كما تناول النظام اعتماد التقاضي على درجتين بحيث تمر الدعوى والمرافعات امام محكمتين هما: محكمة الدرجة الأولى وهي المحكمة التي تنظر النزاع لأول مرة وهي المعروفة بمحكمة الفصل في المنازعات بين الخصوم واصدار الحكم الشرعي في القضية، والثانية محكمة الدرجة الثانية وهي محكمة الاستئناف وهي محكمة تختص في اعادة النظر في وقائع الدعوى وتدقيقها ويتسنم المنارة العليا للقضاء ما يسمى في النظام الجديد (المحكمة العليا) والتي حلت محل اللجنة الدائمة واختصاصها الرقابة على صحة تطبيق القواعد الشرعية القضائية وانزال الاحكام عليها ووظيفتها العمل على توحيد الاجراءات الاجتهادية في الفقه القضائي وتقابلها في الأنظمة القضائية العربية (محكمة النقض) وقد فصلت المادة الحادية عشرة الاختصاصات لهذه المحكمة مع الأخذ في الاعتبار ما تناولته النصوص المتعلقة بنظام المرافعات الشرعية ونظام الاجراءات الجزائية وغير ذلك من الاختصاصات المنصوص عليها في المادة المذكورة.
وبعد،، فإنه من خلال الدراسة والقراءة الجديدة لنظام القضاء الجديد تتضح المعالم الشرعية التحديثية التطويرية الآتية:
أولا: سادت روح التفاؤل وغمر الفرح والسرور الشارع السعودي بعد الاعلان عن مشروع تطوير القضاء الذي رعاه ودعمه وتابعه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله واجمع الفقهاء والقانونيون والاكاديميون الشرعيون على الخطوات الجبارة في نقلة القضاء لما فيه من المصلحة العامة والراحة والاطمئنان والقضاء على الاطالة والسلبيات.
ثانيا: اشتمل النظام القضائي الجديد على التحديث والتطوير لفقه الأنظمة وطرق المرافعات ومسايرة قانون التخصص المواكب للمتغيرات والتكنولوجيات العصرانية ولغة التخاطب الدعوي الحديث.
ثالثا: التعزيز القوي وبناء الثقة بالنسبة للمستثمر الاجنبي وتبديد الفكر المشوب لديه عن المجازفة في الاستثمار سابقا فهناك آليات لمحاكم تجارية وعمالية تراعي العقود والاتفاقيات وتحمي المستثمر.
رابعا: الحسم في مسألة تنازع الاختصاصات عند التقاضي وفي ذلك اراحة للمؤسسات القضائية والحكومية الأخرى بعد ايضاح النظام الاختصاص.
خامسا: بصدور النظام سيتم تصحيح وترتيب الأوضاع القضائية وديوان المظالم ويظل ديوان المظالم جهة اختصاص ولائي في القضاء الاداري فقط بحيث ينظر في المنازعات ذات العقود الادارية والطعن والتعويض والتظلم من القرارات وما عدا ذلك يكون من اختصاص المحاكم العامة.
سادسا: ان هذا التنظيم سيعنى بايجاد وخلق فرص تعليمية شرعية وقانونية وتخصصات في مجال القضاء والمحاماة وانني هنا أجدها فرصة سانحة ان يعاد النظر في مشروع الدراسات العليا المقدم من قسم الدراسات الاسلامية بجامعة الملك عبدالعزيز وتتفضل ادارة الجامعة مشكورة باعادته الى القسم ليتم تطعيمه بالمواد الجديدة وليست التقليدية وتكون مواد اجبارية وليست اختيارية ضعيفة وذلك وفق المستجدات الجديدة وفرص العمل وسوق العمل ولا تكون الخطة الجديدة للدراسات العليا موادا مكررة بمسميات مختلفة ومضامين منقولة من مواد تدرس في مرحلة البكالوريوس.
انني على ثقة كبيرة بان مدير الجامعة الاستاذ الدكتور اسامة طيب حفظه الله يولي هذا الجانب الاهتمام الكبير لما عرف عنه من الرغبة في تطوير وهيكلة الاقسام العلمية بصورة تحديثية تجديدية تخدم سوق العمل وتستوعب الخريجين وقد فتحت في عهده ورش لتطوير الاقسام العلمية، ارجو ان يحظى القسم باعادة النظر في خطته الجديدة المقدمة وتتم بالحديث من المواد والجديد من الأنظمة والله ولي التوفيق.
(*) استاذ نظم الحكم والقضاء والمرافعات الشرعية
مشروع الملك عبدالله لتطوير ولاية القضاء
قـراءة جديـدة لتـأصيـل تحديثي شـرعي
29 أكتوبر 2007 - 19:45
|
آخر تحديث 29 أكتوبر 2007 - 19:45
تابع قناة عكاظ على الواتساب
د. حسن محمد سفر (*)