لن أنسى ترددي في السفر على متن أول طائرة إيرباص منذ حوالى ثلث قرن... كانت أجنحتها إنجليزية، ومقصورة ركابها فرنسية، ومحركاتها من أمريكا ، والذيل أسباني... «سلطة» سابحة في الهواء الطلق ونحن بداخلها... أين الإيرباص ككيان في كل ذلك؟... وبعدها كنت على متن طائرة بوينج 747 ووجدت أن هناك أكثر من ألف وخمسمائة شركة مختلفة من سبع عشرة دولة حول العالم قاموا بتزويد الشركة بالقطع من هنا وهناك... كلها مدروسة وسليمة طبعا ولكن البوينج ليست «بوينج» كما نتخيلها لأن عليها إضافات من انجلترا وأيرلندا والصين واليابان واستراليا... المهم أن هذا لا يؤثر على جودة أو أداء المنتج بأي حال من الأحوال... ولكن قبل أن ننتقد الأشياء المختلفة لابد وأن ننظر إلى ما بداخلنا... يقدر عدد خلايا الجسم البشري بحوالى مائة ترليون خلية... يعني واحد وعلى يمينه أربعة عشر صفراً وكل صفر ينطح جاره... عدد مهول جداً، ولو أردت أن تصوره ذهنياً فلك أن تتخيل حوالى ربع عدد الشعرات على رؤوس البشر في العالم... من «شنغهاي» إلى «سملّوط» إلى «أوجادوجو»... وهذا يساوي تقريباً عدد خلايا جسمك... ولكن هناك ما هو أغرب من ذلك فحوالى عشرة في المائة فقط من تلك الخلايا هي خلايا آدمية... وأما الباقي فهي مجموعات من البكتريا، والطحالب، والفيروسات، ومجموعات أخرى من «السلاتيح»... بعض منها ضرورية للحياة ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما يدور فى جهازنا الهضمي... ولكن هناك أيضا «شلل» أخرى لا تضر ولا تنفع ولكنها مستفيدة منا وهذا طبعا جوهر «السلتحة»... ولا ننسى طبعا القبائل الانتهازية التي تنتظر أية فرصة ولو صغيرة «لخراب الدار»... طبعا من الصعب أن نتخيل بكتريا «تستحي» لأي سبب كان... ومن الصعب أن تتمتع بأية خصائص أدبية... ولكنها تتفنن في قلة الأدب وبالذات في مجالي السلتحة والانتهازية... وفى الواقع فإن سلوكيات هذه المخلوقات الصغيرة جداً تجعل السلتوح العادي هو الذي يستحي... وخير مثال على ذلك تجربتنا جميعاً خلال الأسبوع الماضي في فترة العيد... يمين يسار يمين... من العايدين... يمين يسار يمين... وحشتونا... يمين يسار يمين... وين الناس... يمين يسار يمين... وأتحدث هنا طبعاً عن «التبويسات» أثناء فترة العيد وقد تبادلنا الملايين منها... لاحظ أن لكل عشرة أشخاص في أي جلسة يتبادلون ثلاث قبلات سينتج عنها حوالى أربعمائة قبلة... تخيل كم سينتج في يوم واحد بين ملايين البشر في جدة فقط... أكثر من عدد المطبات على شوارعنا طبعا... الشاهد هنا هو أن وجوهنا عبارة عن واحة غنية مثمرة بالبكتريا مهما حاولنا أن ننظفها ولو كانت باستخدام «الريتا»، فهناك قبائل مختلفة من هذه المخلوقات العجيبة التي تجد أرضا خصبة وولائم دسمة متوفرة... من بروتينات تخرج من رقائق الجلد الذي يغطي الوجه الآدمي... الى عصائر الدهون المخلوطة بماء وأملاح العرق بين تلك الرقائق... وكأنها سندويتشات طازجة حارة غنية ومفيدة يتم تقديمها بدون مقابل ولا مخاطرة... يعنى حلم أي سلتوح... ولتلك التي لا تريد الهواء بكثرة لخوفها من عملية الأكسدة... فستجد أن الاختباء تحت وبين طبقات رقائق الجلد ليست بالصعوبة، بل وبعض منها يمكنه البقاء على الطبقة الجلدية والاحتماء تحت سطح الزيوت التي يفرزها الجلد على وجوهنا... ويقدر متوسط عدد البكتريا على جلد الوجه النظيف بأعداد رهيبة تصل إلى المليوني كائن... وفى الأعياد ماذا نفعل بها... ننقلها إلى بعض... وين الناس... يمين يسار يمين... وحشتونا... مين الأخ... يمين يسار يمين... وقد ذكرت مسبقا أن هناك عضلة طريفة جدا على وجوهنا نشغلها عند لفظ حرف «الواو» وعند التبويسات، واسمها أظرف من شكلها وهو «أوربيكيلاريس أوريس» orbicularis oris وتصبح أثناء الأعياد ضمن منظومة السياحة للبكتريا حيث يتم نقلها من إنسان لآخر بالمجان.
* أمنيـــــــة :
أتمنى أن نتذكر أن أكبر سلتوح في العالم اليوم هي إسرائيل فهي تعيش على خيرات أرض ليست ملكاً لها بأموال لم تتعب عليها... تعيش على أرض فلسطين بأكبر مساعدة دولية في العالم وتصل إلى ما يعادل خمسة عشر بليون ريال في عام 2007 بالإضافة إلى ضمانات القروض التي تصل إلى ضعف هذا المبلغ... شغل سلتحة من النوع الثقيل.
وأود أن أشكر القراء الكرام الذين اكتشفوا وتكرموا بتصويب بعض الأخطاء الحسابية في مقال الأسبوع الماضي عن «الستات»... وأخص بالذكر الأخت أ.د.أسماء باهرمز من جامعة الملك عبد العزيز, والأخ الأستاذ عبد العزيز أبو الحمائل، وأتمنى أن أسمع من القراء دائماً. والله من وراء القصد.
tfadaak@hotmail.com
أخبار ذات صلة