«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وصفة عظيمة ناجحة وضعها معلّم هذه الأمة ورسول رب العالمين إلى الناس أجمعين، لبناء قاعدة لمجتمع تسوده المحبة وتتسع فيه روح الإخاء والخير للجميع، مجتمع ينشده العالم ويكون أفراده خير أمة أُخرجت للناس. وفي عالمنا اليوم تتفاوت النفوس تفاوتاً ظاهراً وتختلف اختلافاً كبيراً في نزعاتها واتجاهاتها وطبائعها وأخلاقها.
فهناك النفس الساخطة وهناك الراضية وهناك النفس الخيّرة المعطاء وهناك الشريرة المانعة، وهناك النفس الحاسدة الحاقدة على كل شيء ولأجل كل شيء التي يسوؤها نجاح الآخرين، ويُقلقها ما هم فيه من خير ونعيم، يأكل الحسد قلوبهم، لا تكاد نار الحقد تهدأ في نفوسهم إلاّ لتبدأ من جديد كلما رأت آثار الخير وملامح السعادة على وجوه الآخرين.
وهذه النفس المريضة بهذا الداء - داء الحسد - تعني أن جانب الشر فيها قد طغى على جانب الخير، ولولا هذا ما تمنت زوال النعم عن الآخرين، وترى الحاسد دائماً حاد الطبع مُتقلب الفكر مشتت الحواس مريض القلب من غير علّة، شغله الشاغل هو التفكير في ما منحه الله للآخرين من ثروة أو علم أو جاه وهذا الاشتغال في الواقع يؤدّي بالنفس الحاسدة إلى الألم والحسرة وعدم الطمأنينة، بصره شاخص إلى من أعطاهم الله فضلاً أكثر من فضله سواء في علمه أو ماله أو جاهه. يجلب لنفسه المتاعب ويعيش في نار الألم والحسرة والعذاب النفسي الدائم. وليعلم هؤلاء الناس أن السعادة الحقيقية لهم هي القناعة بما أعطاهم الله وبما قدّره لهم من رزق ومعاش، فليست السعادة في وفرة المال أو السلطان، وإنما السعادة الحقة في القناعة بما قدّر الله. وفي هذا المجال أتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس». وفي حديث آخر: انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك فإنه أجدر ألاّ تزدري نعمة الله عليك».
علاج نفسي حقيقي لهذه الفئة من الناس الحاقدين الحاسدين المندسين بين طبقات المجتمع، ففي هذه «الوصفة» النبوية الكريمة تذكرة لكل من لم يرض بواقعه ليقارن بين ما هو عليه وبين آخرين ممن هم مثله ممن يعيشون في وضع هو أسوأ من وضعه الذي هو غير راض عنه مع أنهم أفضل منه عقلاً وأقوى حسباً وأعمق تفكيراً.
وبهذه المقارنة يرضى بعيشه وما قسمه الله له ويصل إلى قناعة متكاملة تؤدّي به إلى طمأنينة نفسه وبالتالي إلى رغد في عيشه وأمان في حياته وبذلك نصل إلى مجتمع فاضل تسوده المحبة وتقوم علاقاته على روح الإخاء والتفاهم لأنه من المتفق عليه أن أهمية علاج النفوس من أمراضها لا تقل أهمية عن علاج الأمراض البدنية، لأن أمراض النفوس تهدّد بموت الروح التي هي وبدون شك سبب لسعادة الإنسان أو شقائه. وليتأكّد المريض الحاسد أنه مهما حاول فلن يستطيع أن يحول بين الناس وسعادتهم وما يمنحهم الله من فضله وسعة رزقه، فليرض بقسمة الله العادلة الحكيمة أو لينتظر مزيداً من الألم النفسي، فلن يستطيع حسده أن يحول بين نعمة أرادها الله لعبده أو اختصه بها من دونه. فهنيئاً لأصحاب النفوس الطاهرة النقية التي لا تعرف الحقد ولا الكراهية ولا المكر ولا الخداع بعيدة عن الأمراض النفسية، إيمانها بالله ركيزتها، تطهّرت عقول اصحابها من الدناءة وتفكيرهم من المرض. يمثّلون في تعاملهم روح الإسلام الحقة بعيداً عن الحقارة والأحقاد والشرور. مبدأهم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وعن التقوى وتربية النفس الإنسانية يروي ابن عباس قال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فأسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رُفعت الأقلام وجفت الصحف. فالإسلام حث على مكارم الأخلاق وأنها السلاح ضد الشر والمعين لنا على الخير ولها ثمرات عديدة يعود نفعها على الفرد والمجتمع فهو يُؤلف القلوب ويقوي العلاقات ويُحقق الطمأنينة وينشر التعاون والتكاتف ويزيل الحقد من نفوس الأفراد. وقد ألهم الحق سبحانه وتعالى النفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها. ورحمة الله قريبة من المحسنين الذي يحسنون صنعاً في هذه الدنيا ويكونون في عون الآخرين ومساعدتهم وفك كربهم والإحسان إليهم وإدخال السرور إلى قلوبهم وقضاء ديونهم وإطعام جائعهم وكساء عاريهم فهو خير لهؤلاء الناس من اعتكاف شهرين متتاليين كما في حديث رسول الله بأن من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار قضاها أو لم يقضها كان خيراً له من اعتكاف شهرين ومن مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله قدمه على الصراط. ومن أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة. ونحن في شهر كريم تتضاعف فيه الحسنات فلينظر أصحاب المال والسعة إلى هؤلاء المحرومين ويمدوا لهم يد العون والمساعدة ففي هذا الفعل نجاتهم في الدنيا والآخرة .
فاكس 6975040
.Mail:najeeb@yamanie.com
أخبار ذات صلة