يحل بنا في هذه الأيام المباركة موسم الرحمة والغفران، يتوجه المسلمون في بقاع الدنيا لاغتنام هذا الموسم تعبداً، واستغفاراً، طلباً للمثوبة، والغفران.
من خصوصيات مكة المكرمة التي خصها المولى جل وعلا به على جميع بقاع الدنيا أداء مناسك العمرة في رحابها الطاهرة، تبدو مظاهرها في شهر رمضان أعظم ما تكون بعد شعيرتي الصلاة، والصوم، يزدحم الحرم الشريف بالمعتمرين، طائفين حول الكعبة المشرفة، ساعين بين الصفا والمروة في جموع كثيفة آناء الليل والنهار، شعارهم الوحدانية، ووحدة الصف والدين، وفي غمرة هذا الإشراق الإيماني، يحرص الأهالي المكيون على اغتنام هذا الموسم العظيم، والإقبال على أداء مناسك العمرة، وهو مظهر من مظاهر احتفائهم بهذا الشهر المبارك يشاركون إخوانهم المسلمين في هذه العبادة طمعاً في الثواب، واستقبالاً لنفحات الرحمن.
خروج المكي للحل بقصد أداء شعيرة العمرة بدهية فقهية يعلمها العامي، والمتعلم، والعالم، لا يخالطهم الشك في صحة ما يؤدونه من شعيرة العمرة، وهو الذي يقول به جمهور فقهاء الأمة.
وتبعاً لهذه البدهية الفقهية لم يفتأ المكيون يهتمون بشعيرة العمرة في رمضان منذ القدم وقبل أن تنتشر السيارات والحافلات، لم تكل أرجل الآباء والأجداد والأمهات، وجميع من سكن مكة توجهاً الى العمرة (مسجد السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها) سيراً على الأقدام، أو ركوباً على الدواب.
في رسالة بعنوان (المكيون والميقاتيون وما يختص بهم من أحكام الحج والعمرة) صدرت عام 1420هـ من إعداد الدكتور أحمد عبدالرزاق الكبيسي الأستاذ بجامعة أم القرى عرض فيها الأقوال والأدلة فيما يخص عمرة المكي بما يشفي الغليل في دراسة منهجية، يتسع المجال هنا لاقتباس بعض ما جاء في هذه الرسالة فيما يخص هذا الموضوع؛ لإزالة الحيرة التي انتابت بعض السائلين المتحيرين في الوقت الحاضر.
بدأ هذه الرسالة بتعريف المكي من كتب الفقه، اقتباساً من شرح الرسالة القيروانية وتمام النقل منها:
«والمكي وهو المقيم بمكة سواء كان من أهلها، أو لا فميقاته للحج مكة... وميقاته للعمرة وللقران الحل؛ لأن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم لفعله صلى الله عليه وسلم».
يقول فضيلته: «وذهب جمهور الفقهاء، وهو القول المشتهر بين أهل العلم: إلى أن سائر أرض الحل ميقات للمكي، فلو أحرم من جهات الحل جاز، وصح إحرامه وبهذا قالت الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة» (المكيون والميقاتيون، ص13).
جاء في شرح هذه العبارة «والمراد بالحل ما جاوز الحرم، ومثل العمرة القران لأنه لو أحرم بالقران من مكة لم يجمع بين الحل والحرم بالنسبة للعمرة؛ لأن خروجه لعرفة إنما هو للحج فقط...».
(حاشية العلامة العدوي على شرح أبي الحسن لرسالة ابن أبي زيد، ج1، ص457ن مطبعة الاستقامة، عام 1369هـ).
أفاض فضيلة الأستاذ الدكتور الكبيسي حفظه الله في عرض آراء الفقهاء في أفضل الحل للمكيين هل هو التنعيم، أو الجعرانة، أو الحديبية، أو غير تلك الأمكنة، وأقوال فقهاء السلف في ذلك، وانتهى إلى القول:
«وبهذا يتضح صحة وسداد ورجحان ما ذهب إليه الجمهور، إذا ثبت أن سائر أرض الحل ميقات المكي للعمرة...». (المكيون والميقاتيون، ص19).
الدليل الرئيس للجمهور في هذا الموضوع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أن يردف عائشة ويعمرها من التنعيم، كما جاء في صحيح البخاري، وعموم الأحاديث في فضائل العمرة لم تفرق بين الاعتمار للمكي وغيره.
ذكرالعلامة أحمد بن حجر العسقلاني: «إن مشروعية خروج المكي إلى الحل حدثت بعد أن فعلته السيدة عائشة رضي الله عنها بأمره صلى الله عليه وسلم، واستدل به على تعين الخروج إلى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة، وهو أحد قولي العلماء، والثاني تصح العمرة ويجب عليه دم لترك الميقات، وليس في حديث الباب ما يدفع ذلك واستدل به على أن أفضل جهات الحل التنعيم» (فتح الباري، ج3، ص607).
وفي مقابل هذا الرأي يذهب بعض فقهاء السلف ومنهم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى أنه «ليس على أهل مكة عمرة نص عليه أحمد وقال: كان ابن عباس يرى العمرة واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم طوافكم بالبيت، وبهذا قال عطاء وطاووس، قال عطاء: ليس أحد من خلق الله إلا عليه حج وعمرة واجبان لا بد منهما لمن استطاع إليه سبيلا إلا أهل مكة فإن عليهم حجة وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت، ووجه ذلك أن ركن العمرة ومعظمها الطواف بالبيت وهم يفعلونه فأجزأ عنهم، وحمل القاضي كلام أحمد على أنه لا عمرة عليهم مع الحجة، لأنه يتقدم منهم فعلها في غير وقت الحج، والأمر على ما قلناه» (المغني، بيروت: دار الكتاب العربي، ج3، ص175)، وقد دافع شيخ الاسلام أحمد بن تيمية عن هذا الرأي دفاعاً قوياً فيقول:
«وأما الاعتمار للمكي بخروجه إلى الحل فهذا لم يفعله أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا عائشة في حجة الوداع...» واستدل ببعض كلام السلف من الصحابة رضوان الله عليهم وفقهاء التابعين (مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، ج26، ص252، في حين أن جمهور الأصوليين لا يعدون ترك الفعل دليلاً يحتج به:
الترك ليس بحجة في شرعنا
لا يقتضي منعاً ولا إيجابا
ما الحظر إلا إن يكن نهي أتى
متوعداً لمخالفيه عقابا
أو ذم فعل مؤذناً بعقوبة
أو ذكر تحريم يصادف عابا
ينتهي البحث لدى الدكتور الكبيسي إلى النتيجة ترجيحاً لرأي جمهور العلماء وفقه الأئمة في المذاهب الأربعة قائلاً:
«وبعد استعراض هذه النصوص والتأمل فيها يتبين لنا أن الجمع بين الحل والحرم للمكي إذا أراد الاعتمار أمر لازم لا بد له منه، وإن تركه:
إما أن يوجب الدم لتركه الواجب على رأي جمهور أهل العلم، والواجب يجبر بالدم، وحكمه حينئذ حكم من تجاوز الميقات في إحرامه.
وإما أن يكون تاركاً للشرط فلا تصح عمرته إلا بالخروج إلى الحل، فمن لم يخرج فإنه لم يزل على إحرامه، فإن أحل فعليه فدية لتحلله قبل وقته، ويلزمه قضاؤها إن أحدث أمراً يفسدها كما هو واضح من النصين اللذين سقناهما عن النووي وابن قدامة (ص24).
لو خالف المكي رأي الجمهور الذي تمثله المذاهب الأربعة فأحرم للعمرة من مكة ولم يخرج إلى الحل فإن رأي فقهاء الإسلام والمذاهب الفقهية في ذلك:
أولاً: إذا أحرم المكي للعمرة من الحرم ولم يخرج إلى الحل فإنه ينعقد إحرامه ويلزمه دم لتركه الإحرام من الميقات الواجب وهو الخروج إلى الحل.
ثانياً: لا يجزئه، بل يشترط أن يجمع بين الحل والحرم. وقد ورد النص على هذا عن العلامة العدوي على شرح الرسالة القيروانية بقوله:
«فإذا أحرم للعمرة من الحرم ولم يخرج إلى الحل فإنه ينعقد إحرامه، فإن طاف وسعى فإنه يعيد طوافه وسعيه بعد أن يخرج للحل؛ لأنهما وقعا بغير شرطهما وهو الخروج للحل، فلو أنه لما طاف وسعى وحلق رأسه فإنه يعيد طوافه وسعيه أيضاً بعد خروجه إلى الحل ويفتدي؛ لأنه كمن حلق في عمرته قبل طوافه وسعيه» (حاشية العلامة العدوي، ج1، ص457، الكبيسي، ص22).
الخروج إلى الحل هو ميقات الإحرام بالعمرة للمكيين، توارثوا هذا علماً، وفتوى ودراسة حسب رأي جمهور العلماء، فلهذا كان خروجهم إلى مسجد التنعيم زرافات ووحدانا، وكذلك إلى الجعرانة حيث كان الوادي فسيحاً لم يشوه بالمباني والتعديات، وكانت ليلة السابع والعشرين في هذا الوادي تشهد جموعاً كثيفة من المعتمرين المكيين بخاصة، يمضون إفطار ذلك اليوم في تلك الرحاب الطاهرة، والنسمات العليلة الباردة، والجو الروحي المفعم، كان بعض العلماء المكيين يقضون بعضاً من تلك الليلة في ذلك الوادي المبارك يحيونها بقراءة السيرة النبوية لموقعة حنين، وتقسيم الغنائم، وما جرى في هذا المكان من أحداث للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بعد عودتهم من غزوة حنين، استنطاقاً للتاريخ، تنتعش بذكراها النفوس، تستلهم المعاني، وتسترجع القيم الإسلامية الرفيعة في بيئتها الأصلية.
ومما يؤكد القول بخروج المكيين إلى الحل ما جرى عليه عمل علماء مكة المكرمة الكبار الذين عاصرناهم، وأجمع الناس على حرصهم على متابعة السنة النبوية واتباع السلف الصالح، خصوصاً في العبادات، وإننا نسأل الله عز وجل في هذه الأيام المشرقة المباركة أن يجعل للمعتمرين الحظ الأوفر مما تضمنه الوعد النبوي الصادق في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(عمرة في رمضان تعدل حجة معي) فليس أعلى وأرقى من أن ينال من الثواب ثواب عمرة في صحبة سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، فالمحروم من حرم بركة هذه الأيام، وما تفيضه من أنوار، وما توفيقي إلا بالله.
عمرة المكي من الحل لا من الحرم
7 أكتوبر 2007 - 20:23
|
آخر تحديث 7 أكتوبر 2007 - 20:23
تابع قناة عكاظ على الواتساب