يكثر الحديث بين الفينة والأخرى عن الخصوصية فيما يتعلق بالمجتمع السعودي، خاصةً مع عرض العديد من برامج الدراما الاجتماعية والفكاهية التي تتناول جانباً أو آخر من جوانب الحياة الاجتماعية. وهناك اتجاهان مسيطران في هذا الشأن: الرأي القائل بأن المجتمع السعودي لا يتميز عن غيره من المجتمعات، وأن ما يثار من حديث حول الخصوصية الاجتماعية ليس إلا محاولة للانكفاء على الذات أو تسويق وجهة نظر ومنهج على حساب تطور المجتمع وطريقة تفكيره. بينما تعتقد وجهة النظر الأخرى أن لكل مجتمع خصائص معينة تميزه عن غيره من المجتمعات.
في الحقيقة، أن مسألة الهوية والخصوصية من المسائل الخلافية، لاشك في ذلك. والسبب يكمن في اختلاف التوجهات وتباين التصورات بين أطياف المجتمع المختلفة، وهذا ليس بالضرورة ظاهرة سلبية، بل هو انعكاس لتطور المجتمع. والاختلاف في الرأي رحمة للأمة في نهاية المطاف، طالما بقي ذلك في الحدود المعقولة، دون المساس بالثوابت والأصول. لكن ما يجدر الإشارة إليه أن القول بعدم وجود خصوصية للمجتمع السعودي هو في الغالب رأي مبالغ فيه. فالخصوصية وصف يستخدم للاستدلال على بعض الخصائص التي يتميز بها مجتمع ما عن غيره من المجتمعات. وهي بذلك ترتبط بمسألة الثقافة العامة للمجتمع، الثقافة هنا بمعناها العام؛ أي بمكوناتها المادية والمعنوية، من قيم ومبادئ ومنجزات حضارية أو خلافها، والتي يتم التعبير عنها من خلال سلوك وتصرفات الأفراد والجماعات وطريقة تفكيرهم. فالخصوصية في هذه الحالة تكون مشتقة ونابعة من منظومة القيم والمبادئ التي يؤمن بها المجتمع، مع ضرورة الأخذ بالاعتبار مجموعة من التحفظات أو الضوابط التي يمليها واقع الحال البشري والحضاري، التي تجعل الإنسان يُموضع نفسه بمقتضاها في زاوية مجتمعية أو أخرى.
لا بد هنا من الإدراك أن الخصوصية نسبية وليست مطلقة. بمعنى أن اختلاف المجتمع السعودي عن غيره من المجتمعات هو نسبي وليس مطلقاً، لأننا جميعاً من معشر البشر ونتشابه في بعض الأساسيات، لكننا نختلف في البعض الآخر. فنحن نأكل ونشرب ونتكاثر.. الخ، كما هي الحال بالنسبة لجميع الشعوب، لكن هذا لا يجعلنا متشابهين بشكل تام. فما يربط بين الشعوب الخليجية من تشابه في المأكل والمشرب والملبس والعادات والتقاليد أكثر من تلك التي تربطها بالمجتمعات العربية الأخرى. لكن ما يربط بينها وبين المجتمعات الأوروبية من خصائص تكون جداً محدودة على سبيل المثال. من هنا يمكن القول إن لكل مجتمع رونقاً خاصاً يميزه عن غيره من المجتمعات. ومن خلال هذا الاختلاف أو التميز أو الخصوصية يمكن التعرف على المجتمعات.
كما يجب القول ان الخصوصية قد تكون سلبية أو إيجابية. بمعنى أن ليس كل ما يجعل المجتمع مختلفاً عن غيره من المجتمعات موائماً وصالحاً حضارياً وفكرياً. فهناك بعض العادات التي تفشت في المجتمع رغم أنها لا تحمل سنداً شرعياً أو حضارياً، لكنها أصبحت شيئاً متعارفاً عليه ويؤثر على سلوك وتصرفات الأفراد. فعلى سبيل المثال، لم يكن هناك حرج في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) والصحابة الكرام من ذكر أسماء نسائهم، بينما نجد الآن أن فئات كثيرة في المجتمع ترى في ذلك عيباً يجب تجنبه. ويمكن القياس على ذلك في أمور كثيرة من جوانب الحياة الاجتماعية التي أصبحت من خلال الممارسة والتقادم الزمني أطراً ثقافية لضبط السلوك الاجتماعي والتأثير فيه، بغض النظر عن مواءمتها ونضجها القيمي.
كذلك فإن التركيز على خصوصية مجتمعية أو أخرى يخدم أهدافاً فئوية في بعض الأحيان. ففي كل مجتمع ثقافات فرعية، تتكامل أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى، ويتفوق بعضها على بعض تبعاً لظروف الزمان والمكان. وفي بعض الأحيان يكون انتشارها في صالح فئة على حساب أخرى، حيث يساعد انتشارها وسيطرتها على تحقيق أهداف معينة ترمي إلى الحفاظ على المكانة الاجتماعية وتعزيز حضورها ودورها في الشأن العام، أو دعم قدرتها في رسم هوية المجتمع على حساب التوجهات والتصورات الأخرى.

knhabbas@hotmail.com