-A +A
د. ميسرة طاهر
في ليلة كان فيها القمر بدرا، والطريق من بيت صديقي الريفي إلى بيت العمدة كان يسير بمحاذاة النهر، وأصوات الضفادع في الصيف تختلط بأصوات صرصار الليل، ورائحة البرسيم تختلط بغيره من النباتات، كل هذه المكونات تصنع لوحة الريف الجميل الذي لطالما تمنيت أن أعيش فيه أياما بعيدا عن زحمة الحياة في المدينة، وفي أثناء سيرنا في الطريق الزراعي كان صديقي يعطيني فكرة عن صاحب الدعوة المتوجهين لتلبيتها، فهو رجل كبير في السن كريم النفس صاحب نكتة إلى حد أن الفكاهة باتت تجري في عروقه، ويعقب هذا الصديق فيقول سترى بعد قليل رجل في أواسط السبعين من عمره ولكنه شاب بروحه، ألقينا السلام على جمع غفير من أهل القرية في دار العمودية كما يسمونها ودخلنا لنلقى ترحيبا حارا من العمدة صاحب الدعوة وصاحب الدار وأقسم إلا أن نجلس بقربه، اعتذرت منه لأننا قطعنا حديثه، فأصر الحضور بعد أن تلقينا من الجميع عبارات الترحيب أن يكمل العمدة قصته، انحنى صديقي مقربا رأسه مني قائلا: للعلم في قريتنا وسيلة التسلية الوحيدة عند الرجال في سهراتهم هي رواية القصص، قلت أعلم فهذا حال معظم سكان القرى في العالم العربي قبل دخول التلفزيون إلى عالمهم، هم يتسلون برواية القصص والحكايات التي حدثت في سالف الأيام مع بعضهم أو تلك التي ورثوها كابرا عن كابر كتراث شعبي تختلط فيه الأسطورة بالخيال ولكنها لا تخلو من الحكمة. بادر رجل مسن العمدة بالقول بالله عليك يا عمدة أكمل لنا قصة إبليس وولده التي بدأت بها. فقال معقبا: دخل إبليس مع ولده قرية واتفق معه بأن لا يُحدثا فيها أذى، فسأله ولده لماذا لا تريدنا أن نفسد في هذه القرية؟ فرد إبليس على ولده قائلا: لقد تعبت من دعاء الناس علي، أريد في هذه القرية أن أدخلها وأخرج منها دون أن أفسد فيها وسأرى هل سيدعون علي أم لا؟ دخلا وجلسا تحت ظل شجرة في أرض زراعية بها برسيم وبالقرب من المكان الذي جلس فيه ولده كان هناك وتد رُبط به حبل ينتهي برقبة بقرة تأكل البرسيم ولا تستطيع أن تتجاوز المدى الذي حدده لها طول الحبل ، بعد قليل انفلتت البقرة وتركت الأرض التي كانت ترعى بها وانتقلت إلى أرض الجيران، فرآها صاحب الأرض الذي أسرع إلى داره وأحضر بندقيته وأطلق النار على البقرة فأصابها، سمع صاحب البقرة صوت إطلاق النار فأحضر هو الآخر بندقيته وجاء مسرعا ليجد بقرته تتضرج بدمها، فوجه بندقيته نحو الجار وهو يتساءل عن سر قتله للبقرة فرد الجار بدوره: لقد حذرتك مرارا أن لا تدع بقرتك ترعى في أرضي فأقسم الجار انه ربطها بحبل إلى وتد ثبته في الأرض بقوة لا تستطيع البقرة معه أن تفكه، فقال الجار: إذن كيف وصلت لأرضي واعتدت عليها وقبل أن يكمل كلامه كان صاحب البقرة قد أصاب جاره في مقتل وبسرعة هائلة هرع أبناء الرجلين كل يحمل سلاحا يتراوح بين البندقية والسكين والعصا ودارت معركة سالت بها دماء كثيرة... التفت إبليس إلى ولده وهو غاضب يسأله: ألم نتفق على أن لا نحدث في هذه القرية سوء؟ لماذا نزعت وتد الحبل الذي ربط الرجل فيه بقرته؟ فرد ولده: صدقني لم أنزعه إطلاقا كل ما فعلته يا والدي أنني حركت الوتد قليلا فقط والبقرة هي التي نزعته، فقال إبليس لولده حركت الوتد فأضعفته وتركت البقرة تكمل الباقي ؟ هلم بنا فقد أفسدنا في هذه القرية بفعلتك أكثر مما لو كنا متقصدين الإفساد فيبدو أننا لا نستطيع أن ندخل مكانا دون أن نفسد فيه.ضحك الجميع من قصة إبليس وولده وتساءلت وهل يفعل أولاد إبليس وأعوانه من الإنس في كثير من الأحيان أكثر من هز الوتد؟