القابلية للتأثر بالشعوذة والمشعوذين داخل بعض أطراف المجتمع تفتح باب النقاش حتى ولو طال أمده ، لكن من الملاحظ أن دائرة نقاشات هذا الموضوع انصبت على الدائرة الشرعية دون معالجتها نفسياً على عموم المجتمع أو حتى حضارياً، فمجتمع متدين مثل مجتمعنا وتسود فيه هذه الظاهرة إما عن جهل أو قصد لحاجة بعضهم لمراجعات وتصحيح مسارات على مستوى كل الأصعدة ، لذا حاولنا في هذا التحقيق أن نطلق صوتا على مستوى التخصصات الشرعية والنفسية و الحضارية... فعلاّ رجعا يثير حراكا ايجابيا يصب في زاوية تحصين المجتمع ضد هذه القابلية المستعرة.
بين المادي والإيماني
يرى د.مسفر القحطاني «رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن» بأن العالم يتحرك أفراده ومجتمعاته إما بقواعد دينية عقدية ، وإما قواعد تعود إلى الماديات البحثة دون إيمان إلى ما وراءها من عقائد أو أفكار أو غيبيات، وإنما يؤمنون بمركزية الإنسان العقل والطبيعة، جميع أصحاب الأديان أو الماديات لا يقرون بالشعوذة والخرافات التي تأتي معها، فالإيمان بها مخالف بحقيقة الدين الصحيح خصوصاً لدينا نحن المسلمين الذين نعتقد بأن ديننا هو الدين الصحيح الحق الذي نسخ جميع الأديان وقد نص القرآن بذلك، ولذلك أصبح أي إيمان بهذه الخرافات من كبائر الذنوب، لأن الخروج عن عالم المحسوسات والدخول في عالم الغيبيات ليس فيه لدينا أدلة ثابتة، فالغيب كله نأخذه بالتلقي التام، أما بالنسبة للأمور المحسوسة عندنا فنحن نأخذها من خلال التجربة والاستدلال وغيرها» ويضيف القحطاني: «بالنسبة لأهل الماديات، فهم حينما يؤمنون بالخرافة فاعتقادهم هو نقض لكل الفلسفة الحضارية التي قامت عليها النهضة الحضارية الحالية، هم يرونها نهضة لا تؤمن بشيء اسمه غيب، ولذلك أبعدوا الكنسية بالكامل، واستبدلوها بالإيمان بالطبيعة والتجربة، وأسسوا نظامهم الكامل الحياتي على ذلك سواءً الأخلاقي أو الفكري أو الثقافي .. الخ، وبالتالي فإن النظام المادي وكذلك الأديان الصحيحة لا تؤمن بالخرافة وما يستتبعها من سحر وكهانة وغير ذلك هذه هي القضية المثالية» وفي توصيفه للواقع المعاصر لقابلية المجتمع نحو الشعوذة يقول القحطاني: «الممارسات العملية في المجتمعات تؤكد وقوع عدد كبير في هذا الأمر ويعود ذلك لنقص في الدين، وإما ضعف الانتماء للثقافة الإسلامية أو عدم قناعة بالماديات التي أصبحوا يعيشونها، لذلك بدأت الآن تنقض أساسات العقلانية المعاصرة من خلال عودة الأسطورة أو عودة روح التفكيك الجديد أو ما يسمى بروح ما بعد الحداثة وهي فوضوية عبثية بالكامل لا تؤمن بمرجعية العقل أو مركزية الإنسان وكل هذا يعتبر مهنية بعض مؤسسي هذا الفكر». مضيفاً : «بالنسبة للمسلمين فهو محرم عليه الإيمان بالشعوذة والكهانة وإذا صدقهم فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على خطورة الأمر مما قد سمعه من المشعوذ مما سيولد أثرا سلبيا على الإنسان ، بل أكثر سلبية في المجتمع ككل».
السلوكيات النتيجية
من جانبه اعتبر الدكتور خالد باحاذق «مستشار نفسي» أن الفراغ الروحي هو جزء من الإيمان بالشعوذة، ويقول : «عادة أي مجتمع إذا لم يكن لديه كفايته من النواحي الروحية والثبات في النواحي الدينية تكون لديه قابلية نحو الاتجاه إلى الشعوذة، فهو يفتقد علم الغيبيات ويعتقد كل ما توهم له أمر بأن هذا حقيقة ويدخل في مرحلة انفصام الشخصية، يعيش الحياة المادية بتبريراتها وتطبيقاتها، لغياب النواحي الروحية الصحيحة، فتجده يبحث عن أمر يملأ له هذا الفراغ الروحي في أمور تكاد تكون من الغيبيات» ويشير د.باحاذق: «في إحدى سفرياتي الخارجية قابلت بعض المرضى من الشباب والفتيات متوهمين بالسحر وتلبس الجن، لكن اكتشفت أن الأمر خلاف ذلك، بل هو محاولة سد فراغ» مضيفاً : «إقبال الناس نفسياً على الشعوذة هو لجوؤهم إلى ما نسميه في علم النفس المكاسب الثانوية،وهي أن السلوكيات التي لديهم ليس لها تبرير ،وتبين هذه السلوكيات بوجود خلل في البناء الشخصي و النفسي، هذا البناء معدوم ولا يعطيهم الكفاية فيلجأون بعدها للشعوذة و الأمور الخرافية». ويشير باحاذق أن إقبال الناس على الشعوذة هو نتيجة وليس السبب، نحن بحاجة إلى معالجة الأمر من جذوره وهو زرع القيم في الأبناء منذ أن يكون جنيناً، وما وصلنا إليه الآن هو نتيجة وليس سببا، فإذا لم يكن لدى الوالدين قيم يزرعونها في أنفسهم أولاً ومن ثم في أبنائهم لن نجد حلولا سحرية لمعالجة الكثير من قضايانا.ومن جهة أخرى انتقد د.باحاذق الخطاب الديني لدى بعض العلماء وحصر الأمر في الحلال والحرام ، ينبغي أن يكون هناك طرح المناقشة للقضايا بطريقة هادئة بحيث أن يتفهمها المجتمع ككل.والطرح غير الواعي وغير الهادئ يسبب رد فعل عكسي يجعل البعض يتجه للبدائل غير الشرعية، أشدد على الحوارات الشرعية الهادئة والنافعة مع المجتمع ككل.
المحور الشرعي
من ناحية أخرى أكد الدكتور عبد الرحمن علوش «أكاديمي بجامعة جازان» أنه على المسلم أن يكون يقظاً وحذرا من كل ما يضر أو يقدح في عقيدته لأن التوحيد هو أعظم مكسب يحرص عليه الإنسان وهو الذي يدخله الله به الجنة (( يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً للقيتك بقرابها مغفرة))، يضيف د.علوش : «الكهانة والسحر والعرافة والتطير من الأمور المحرمة التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي هي من ادعاء علم الغيب وعلم الغيب خصيصة لله سبحانه وتعالى: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً))، هذا إذا كان مجرد السؤال أما إن صدقه فاسمع إلى الحديث الآخر الذي رواه الأربعة والبزار، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)). ويشير د.علوش : «ربما يقع في بعض هذه الأمور بعض المتعلمين ويظنون أن هذا من العلم وأن هذا من التعلم ولا يفرقون بين العلم وبين الكهانة وبين العلم وبين العرافة وبين العلم وبين السحر والشعوذة، لا بد أن يكون المؤمن يقظاً عالماً يسأل علماء الدين الذين يبينون ويوضحون للناس:{ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون}».
الخبراء أكدوا ان التعلق بها عودة للأسطورة وروح التفكيك
الايمان بالشعوذة كفر بمرجعية العقل ومركزية الانسان
22 أغسطس 2007 - 19:58
|
آخر تحديث 22 أغسطس 2007 - 19:58
تابع قناة عكاظ على الواتساب
ياسر باعامر (جدة)