ما من انسان في حارتنا أتجنّب لقاءه مثل سائقنا أصلحه الله! فهو الذي يبشّرني دائما بحوادث «الهوندا الزرقاء» التي أصبحت معروفة لدى حوادث المرور! وهو الذي يحمل لدارنا أكياس التسوّق المملوءة بمنتجات «البلاستيك» الذي أكرهه! ولقد حاولت اغراء زوجتي العزيزة بتنقية منزلنا من «البلاستيك» لقاء عشرة ريالات هدية مني على كل قطعة بلاستيك تخرجها من المنزل! ولكنها كانت «أشطر» منّي فهي تأخذ منّي عشرة ريالات على كل قطعة ترميها، ثم تحضر هدايا بلاستيكية مجانا للبيت وترميها فتأخذ عشرة أخرى! ولولا استدراكي للأمر لحوّلت زوجتي العزيزة موقف «الهوندا الزرقاء» أمام البيت الى «بسطة بلاستيك»!
أمّا سبب بغضي للبلاستيك فلكونه يتمرّد على الدورة الحياتية التي سنّها المبدع تبارك وتعالى لمخلوقاته! فكل المخلوقات لها آجال تـتّـسق مع حكمة أقدار المبدع سبحانه وتعالى. فمن رحمة الله تعالى بنا بعد بلوغ آجالنا، أن نتحلل تدريجيا ونعود ترابا كما خلقنا الله أول مرّة. فلنتصوّر مثلاً أن أجسادنا لو لم تتحلل منذ سيدنا آدم عليه السلام الى الآن، لكانت معظم بلادنا قبورا تتزايد من عام لآخر حتى لا يبقى لنا مكان على الأرض. وهكذا تتحلل المخلوقات الأخرى لحكمة إلهية و لتعود بصور نافعة لاستكمال دورة الحياة على الأرض.
ولكن البلاستيك يشذ عن هذه القاعدة! فهو ينشأ عن دمج النفط والغاز لينتج عنه مادّة «البوليمور» وهي المكون الأساسي للبلاستيك. ولكن تحويل «البوليمور» الى بلاستيك، يقتضي اجراء عمليات تصنيعية متتالية تصل في النهاية الى الأصناف البلاستيكية التي نراها اليوم في كل مكان. وعملية التصنيع هذه، كثيرا ما ينتج عنها آثار بالغة الضرر بالانسان وبيئته. وتحريا للدقّة يجب التوضيح أن كافّة أنواع البلاستيك لا تتساوى في السوء والخطورة، و أسوأها صنفا الـ«بي. اس.» (PS) وال «فاينل»(PVC).
أمّـا ال «بي. اس.» (PS) : وهو «البوليسترين» أو الـ«ستايروفوم» فمشهور بعزله الحراري وخفّة وزنه، وينتشر استخدامه في أكواب المشروبات الساخنة، وتغليف الأجهزة الكهربائية لحمايتها من الكسر، والعزل الحراري بصفة عامّة. يعرف هذا الصنف بأنه أحد أسوأ منتجات البلاستيك لأسباب عديدة. أولها لأن تصنيعه كان يستوجب استخدام غاز الـ«سي. إف. سي.» (CFC) الذي أفضي الى تدمير طبقة الأوزون في الغلاف الجوي. وثانيا لأنه من أكثر أسباب نفوق الكائنات البحرية في المحيطات!
وأمـّـا الـ«فاينل» (PVC) فهو ثاني أكثر صنف من البلاستيك ينتج عالميا. من أهم ميزاته أنّه خفيف الوزن وناعم وعالي المرونة. يستخدم «الفاينل» في كل شيء.. من مواد البناء الى الأثاث وحتى ألعاب الأطفال. لسوء الحظ فان انتاج الفاينل تكتنفه الخطورة، اذ ينتج عن تصنيعه مواد «مسرطنة» (والعياذ بالله). الإشكال هو أنّ الوسائل المعروفة للخلاص من هذه المواد، إمّا بمرامي النفايات أو الحرق أو الالقاء في المحيطات وكلّها ضارّة بالمخلوقات والبيئة. كما أنّ التدوير واعادة التصنيع معقد ومكلف أكثر من أصناف أخرى! المشكلة أن البلاستيك أصبح ضرورة.. فنحن نأكل من أطباقه، ونشرب من أكوابه، ونسوق سيارات تحتوي على مكونات البلاستيك ,ونركب طائرات صنعت بعض عناصرها من البلاستيك، ونسكن في منازل تكونّت بعض أجزائها من البلاستيك، ونرتدي ملابس صنعت بعض مكوناتها من البلاستيك. ولكن الدول المتقدّمة استيقظت على خطورته، فاخذت تنتج بدائل البلاستيك من منتجات زراعية آمنة مثل الذرة. وينبغي علينا نحن أن نستخدم هذه البدائل ولا ننغمس في أخطار البلاستيك بمحض ارادتنا.
وبما أن المستهلكين المتبحرين في العلم أصبحوا يرفضون استخدام البلاستيك خصوصا بعد ظهور البدائل، وبما أنّ أضراره أصبحت محل اجماع عالمي، أتمنّى على مسئولي الاستثمار في المملكة الاّ يجعلوا من صناعة البلاستيك «جزرة» لاستقطاب المستثمرين الغربيين الذين سيرفضون تعريض أنفسهم وذويهم لمخاطره، وسيكتفون بتصديره للشعوب البائسة حيث تباع حياة الانسان بثمن بخس.. امّا البيئة فلا ثمن لها على الاطلاق.
Samirabid@yahoo.com
أضرار البلاستيك.. وضروراته !
30 يونيو 2007 - 19:49
|
آخر تحديث 30 يونيو 2007 - 19:49
تابع قناة عكاظ على الواتساب


