أسس أول مدرسة في الجبيل وادار أول مدرسة في المجمعة تحدثنا كثيرا عن الراحل الكبير, الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري وطفولته ويتمه, واجواء الحياة التي عاش فيها الراحل الكبير هذه المرحلة من عمره وتجربته. كما اننا سلطنا الضوء على علاقته بشيخه, ومعلمه الاول والرجل الأكثر تأثيرا على تشكيل هويته الفكرية التي تنامت وتوسعت آفاقها لتطرح رؤيته للحياة والكون. وكنا في الحلقات السابقة التي تحدثنا فيها عن الشيخ الجليل والغامض ايضا سرنا على آلية الراحل الكبير في الحديث عن شيخه.. سرد مواقف واقتناص افكار وطرح رؤى.. بل ورواية قصص وحكايات حدثت بين الراحل الكبير واستاذه الاول ولكن بالرغم من كل هذا.. كانت شخصية الشيخ -المعلم واسمه وهويته.. مجرد رموز واحداث. امام الحاح متابعي هذه الحلقات ومحبي شخصية الشيخ التويجري وفكره من جهة.. ومن جهة اخرى توهم البعض أو قناعاتهم بأن شخصية الشيخ هي مجموعة من الشخصيات الذين تتلمذ الشيخ التويجري على ايديهم ووضع شخصية الشيخ قناعا يجمع شتات افكارهم. بل امعن بعضهم في ذلك واعتبروا ان الافكار التي طرحها الراحل الكبير في كتاباته ما هي الا افكاره وجعل شخصية الشيخ منفذا لها. وحيال هذا الالحاح وتوضيحا للالتباس كان لابد لنا ان نكشف القناع عن هذا المعلم الغامض والشيخ الجليل.. والرجل الهرم حسب تعابير الشيخ التويجري.. ومن تقصى حوارات الشيخ التويجري والمقالات التي كتبت عنه توصلنا الى اسم واحد بعينه تنطبق عليه هذه المواصفات بعد استبعاد الالتباسات التي جعلته اقرب للاسطوري من الواقع للمتخيل من الحقيقي.. وبدأنا رحلة جمع المعلومات وتقصي الوقائع.. ورسم سيناريو للاحداث يجعل من المروي الشفاهي الى فعل كتابي دقيق.. يقدم المعلومة الدقيقة.. والتاريخ الموثق.
الكهلان.. هو المعلم
فمن معلومة عابرة في حوار قديم مع الشيخ التويجري الى معلومتين في مقالين عنه.. اضافة الى تأكيدات اخرى متناثرة هنا وهناك وجدنا النقطة الاولى لمجموعة من مئات النقاط التي ستشكل خطأ واضحا ودقيقا.. خاصة وان الشيخ التويجري الذي كان في اواخر سني عمره منكبا على كتابة مذكراته وذكرياته بشكل اوضح وافصح بعد نشر عشرات الكتب عن مواقف وحوادث في حياته بلغة وجدانية ترفع المغزى عن الحدث, او الفائدة من الموقف اكثر من الاهتمام باسماء القصة أو المشاركين فيها بل واحيانا اكثر من تاريخ حدوثها.. وقد قال هذا الشيخ بنفسه لي حينما سألته مباشرة بعد ان سرد الشيخ التويجري علاقته بمعلمه من هذا الرجل العجيب الذي يمتلك كل هذه المعرفة.. ويعشق المتنبي الى هذا الحد؟
سأكشف عن اسم وتفاصيل وفكر هذا الرجل بشكل واضح.. وبدقة كاملة عندما انشر مذكراتي..
فاستأذنته ان اتشرف في “عكاظ” بنشرها قبل اصدارها في كتاب.
فرد الراحل الكبير عليّ بحضور الاستاذ سلطان البازعي عندما انتهي من انجاز هذا المشروع وتكتمل صفحات مذكراتي سيكون لكل حادث حديث..
اقتنعت بهذا الحد من المعلومات حينها.. وبدأت اتساءل بعد حين وآخر بيني وبين نفسي من جهة وبيني وبين بعض الذين لهم شرف العمل مع الشيخ التويجري من جهة اخرى.. هل انتهى شيخنا التويجري من كتابة مذكراته ام ان المشروع مازال قائما.
والآن وقد بدأنا في سرد بعض المحطات الاساسية في حياة الراحل الكبير كان لابد ان نشير الى ذلك بدقة اكبر.. ونقول ان معلمه الاول لم يكن سوى الشيخ سليمان الكهلان رحمه الله.
سيرة حياة.. الكهلان
أجل لم يكن معلمه سوى الشيخ سليمان بن محمد الكهلان هذا هو الرجل الذي زرع حب المعرفة والعلم والفكر الحر والمتنبي والمعري والفلسفات الشرقية وماذا يحدث في العالم من حولنا.. اجل هذا هو الذي انتزع عقل الراحل الكبير من ثقافة الكتاتيب ليطل على المعرفة في آفاقها الاوسع والأكثر شمولا..
ولكن من هو سليمان الكهلان هذا الذي له كل هذا الحضور؟
هو: سليمان بن محمد بن سليمان بن ناصر بن عبدالله بن حمد بن محمد الكهلان الحبيشي الدوسري.
ولد في مدينة المجمعة عام 1305هـ وكان ابوه محمد قد انتقل اليها من مدينة جلاجل مسقط رأسه وقد عاش مع والده في مدينة المجمعة الذي كان يمارس والده فيها التجارة.. وفي احدى سفرات والده التجارية الى الكويت توفي والده هناك.. وكان ما زال شابا صغيرا لم يتجاوز عمره “20” عاما فتألم لوفاة والده كثيرا.
السفر الى الزبير والهند
عندها قرر السفر الى مدينة “الزبير بالعراق” للقاء ابناء عمومته هناك.. ومكث فيها ما يقارب “8” اعوام.. وتزوج هناك اول زوجاته.. ولكنه لم يرزق منها بابناء فطلقها وذهب الى الهند.. وكانت مستعمرة بريطانية فانبهر بطرق التجارة والتعليم فيها.. فصمم على التزود بالعلم والنهل من معينه الذي كان منذ صباه شغوفا بتعلمه وقد مكث في الهند ما يزيد عن العام تعلم فيها الكثير من ثقافة هذا البلد.. والمعرفة الذي يقدمها لابنائه بعدها قرر السفر الى “سلطنة عمان” جنوب المملكة للدراسة وتعلم فيها على يد كثير من مشايخها آنذاك ومكث فيها ما يقارب “5” اعوام وفيها اتقن القراءة والكتابة والحساب.
قطر والمانع
بعد ذلك قرر الذهاب الى “قطر” للمزيد من التعلم والمعرفة.
وهناك التقى بالشيخ محمد بن مانع وتعلم معه على يد مشايخ قطر في ذلك الوقت.. فتعلم القرآن الكريم وتجويده, وفنون الشعر, والبلاغة.... وكثيرا من الأدب. ومكث هناك ما يقارب الـ(6) أعوام.
ثم عاد الى المجمعة وتزوج هناك بزوجته الثانية ام ابنائه ومكث في المجمعة ما يقارب “4” اعوام وخلال هذه الفترة فكر كثيرا في استثمار علمه وتعلمه وفيها تعرف على الشيخ التويجري عندما كان شابا وبدأ في تدريسه وبعد ذلك سمع عن مدينة الجبيل عند بداية التنقيب عن البترول من سعة الرزق وشؤون العلم والتجارة فقرر السفر اليها.
وفتح مدرسة لتعليم ابناء الجبيل وبذلك أسس أول مدرسة فيها وبقي هناك ما يزيد عن “15” عاما يدرس ابناءها مقابل رسوم اما مادية او عينية, فتعلم على يديه الكثير من اهل الجبيل.
وفي عام 1365هـ وصلته برقية من الشيخ محمد بن مانع “مدير المعارف”.. والذي كان قد كلفه جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- بها... يطلب منه التوجه للمجمعة لصدور الموافقة السامية على تعيينه مديرا لمدرسة المجمعة.
العودة الأخيرة للمجمعة
فترك مدينة الجبيل وعاد الى مدينة المجمعة وباشر العمل مديرا لمدرسة المجمعة في عام 1365هـ ومكث مديرا لها ما يزيد عن العام وتعلم على يديه الكثير من ابناء المجمعة الذين تقلدوا مناصب عليا في الحكومة وما يزالون.
وقد وافاه الأجل بعد ان مرض في عام 1370هـ عن عمر ناهز (65 عاما) رحمه الله رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته.
حفيد المعلم يتحدث
ومن اجل مزيد من الدقة.. وتوسعا في المعلومة تحدثنا الى ابنه الشيخ عبدالله بن سليمان الكهلان.. واحفاده ومنهم سليمان بن عبدالله بن سليمان الحمدان.. وقد اكدا دقة المعلومات التي اوردناها واضاف لي الاستاذ سليمان بن عبدالله الكهلان حفيد المعلم الأول.. قائلا: في زواج جدي الثاني انجب اربعة ابناء هم محمد -رحمه الله- وقد توفي صغيرا وعبدالله والدي وعبدالرحمن واحمد الذي توفي قبل سنوات.. مضيفا ان جدي كان اضافة الى عقلانيته كان شاعراً وربما تسرب الشعر اليه من حبه للمتنبي والمعري.. وقد كتب عدة قصائد فصيحة الا انه لم يكن يعتبر نفسه شاعرا بل ان هذه القصائد نكاد نقول انها فقدت.
ويستكمل حفيد الشيخ المعلم حديثه عن جده.. قائلا: بالرغم من انني لم اعاصره الا انني كنت في اشد الشوق للتعلم منه خاصة وان القصص المتواترة عنه في المجمعة تدل على انه كان ضليعا باللغة والعلوم ولم يكن يتحدث الا بالفصحى حتى انه في احد الايام قام بالدفاع عن احد الاشخاص امام القاضي.. فرد بلغة فصيحة عميقة المعنى والدلالة فرد الخصم قائلا: انا ما ابغي اتخاصم امام الكهلان الذي يتكلم بلغة القرآن.
التويجري والمعرفة
وبعد ان سلطنا الضوء على شخصية المعلم الاول وهويته الحقيقية لابد ان نختتم هذه الحلقة برأي نشره الاستاذ محمد بن عثمان الركبان المدير العام للحرس الوطني سابقا.. حيث قال في كلمة معبرة ودقيقة. اثنان وستون عاما هي عمر الزمن الذي سار بي مع الوالد والقدوة والانسان “ابو عبدالمحسن” -رحمه الله- واسكنه فسيح جناته اذ كنت في بداياتي احضر مجلسه في ضحى كل يوم من منزله في بلدتنا المجمعة وكان بجانبه العديد من الكتب الدينية والادبية وكان الشيخ الفاضل حمد بن ابراهيم الحقيل متعه الله بالصحة والعافية كان يقرأ له وبحضور مدير المدرسة السعودية آنذاك سليمان بن محمد الكهلان -رحمه الله- واذكر انه يستوقف القارئ سواء الشيخ حمد او غيره ويسرح في تفكير عميق ثم تدور مناقشات حول ماسرح فكره فيه حتى يستوعبه احيانا بقناعة واحيانا برأي آخر. ولابي عبدالمحسن جلسة اخرى مشابهة لتلك عصر كل يوم في بطحاء احد الاودية القريبة من البلد.
بدأت بسرد هذا الموضوع كمدخل رئيسي لتبيان عصامية هذا الرجل وتثقيف نفسه بنفسه حيث كان ابوعبدالمحسن قبل ذلك وبعده رجل المجمعة الاول وانسانها في حل كثير من القضايا التي قد تحدث بين طرفين.
وخاصة من البادية اذ كان -رحمه الله- خبيرا بقبائل البادية وافخاذها في نجد كما كان خبيرا بأمراء هذه القبائل والافخاد ومنزل ابوعبدالمحسن هو المكان الذي يستقرون فيه عند قدوم احد منهم الى المجمعة في ضيافة الرجل الذي يقابلهم بالود وكريم الاخلاق وحسن الضيافة رغم قلة ذات اليد التي يعانيها شأنه شأن الكثيرين في زمانه ولكن الرجل له قدرة على حسن التصرف دون ان يشعر الآخرون بما هو عليه.
الى هنا ينتهي ما اقتطفناه من حديث الاستاذ الركبان ولكن الحديث عن الشيخ عبدالعزيز التويجري لا ينتهي ويستمر طويلا.. عبر عدة محاور تستحق القراءة.. والاطلاع واكتشاف المعنى والدلالة فيها.
وهذا ما سيكون موضوع الحلقات القادمة حيث سنركز على النقلة الكبيرة لوضع الشيخ التويجري.. كرجل دولة.. ومسؤولية وانطلاقة في مؤسسة الحرس الوطني.. وتكريس الجنادرية كحدث ثقافي عالمي.. وعلاقته بالثقافة والمثقفين وسواهما من المواضيع التي تحتمل الكثير من المعلومات..
بعد ان صار رمزاً.. «عكاظ» تكشف هويته الحقيقية
سليمان الكهلان.. معلم التويجري الأول
22 يونيو 2007 - 18:40
|
آخر تحديث 22 يونيو 2007 - 18:40
تابع قناة عكاظ على الواتساب
هاشم الجحدلي (جدة)