بعض (ربعنا) يكتبون في تعريفاتهم على تويتر، أو أي وسيلة اتصال اجتماعية، أن الدين النصيحة، أو أحب لأخيك ما تحب لنفسك، أو أنتم كأسنان المشط ولا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى، إلى آخره مما يزخر به ديننا وتراثنا من الحث على حسن النصيحة وحسن التعامل. لكن تعال انظر إلى أحد هؤلاء وهو يخاطبك أو (ينصحك) تجاه أمر قلته أو كتبته ولم يعجبه. ستسمع ألفاظا فاحشة لا تتوقع أن مسلما يتفوه بها أو يقوى على قولها في حق مسلم آخر. وقد واجهت، كما واجه غيري خاصة من النساء، كثيرا من هذه الألفاظ التي تدخل في باب العنف والإرهاب من أشخاص يقدمون أنفسهم على أنهم منزهون وأرفع بكثير من الوقوع في فحش القول وسوئه وقلة حيائه.
ذلك ما أسميه بالنصيحة العوجاء أو النصيحة الكسيحة، إذ لست ناصحا ولا علاقة لك بآداب النصيحة إذا كنت ستنهي كلامك بوصف مسلم بأنه (منافق) أو (ديوث) أو (من محبي الخنا) أو (خسيس) أو (ساقط) أو (عاهرة)؛ أو في أحسن الظروف (أحمق) أو (جاهل). أنت بذلك تسد أفق الحوار بينكما، مهما كانت درجة اختلافكما، بحجر صلد لأن الإنسان لا يمكن أن يتحاور أو يقبل رأيا أو نصيحة من وضعه في قائمة الدياثة والخنا والخسة والعهر والنفاق. ولست، بالمناسبة، إنسانا سويا ولا مسلما حقيقيا إذا تجرأت على الناس من باب التوهم بأن ما لديك حق مطلق وما لديهم باطل مطلق.
بطبيعة الحال بعض مدارس الوعظ المتأخرة، التي دخلها أشخاص غير مؤهلين وغير مؤدبين، هي التي أنتجت هذا الطيف الاجتماعي الذي أصبح عبئا على الخلق وعلى الذوق العام. وكلنا نعلم أن (الشطارة)، في كثير من الممارسات السابقة والحالية لهذه المدارس الطارئة، انحصرت في حجم العنف اللفظي الذي يرتكبه روادها والتفنن في إيذاء الآخرين وتهميشهم أو تهميش حضورهم الفكري والثقافي وحضورهم التنويري بشكل عام؛ إلى الدرجة التي بلغ فيها بعضهم حدا لا يصدق حين تعرض بالتهكم والسخرية من ألوان الأشخاص وأشكالهم وأسرهم وأجدادهم وأعراقهم. أي أنه مارس العنصرية علنا دون أن يردعه دين أو خلق رغم علمه بأن ما يرتكبه هو ضد تعاليم الدين حتى لو كان في بعض الأحيان ينساق أو ينسجم مع الممارسات القبلية والاجتماعية بشكل عام.
لذلك على هؤلاء أن يراجعوا أنفسهم وأجنداتهم خاصة بعد أن تكشف للناس مدى جرأتهم على حياة وشؤون الآخرين؛ وإذا جاز لي أن أنصحهم فإنني أنصحهم بتعلم أو إعادة تعلم آداب الإسلام في النصيحة ليحسنوا فيثابوا أو يسكتوا فلا يعاقبوا على ما يرتكبون بحق المسلمين الآخرين.