في العام 1946م، وقف اليخت الملكي المصري «المحروسة»، الذي أعد ليقل جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله، في زيارته التاريخية إلى مصر، قبالة مدينة جدة في الساعة العاشرة من صباح يوم السبت 5 يناير 1946م، يتقدمه «الطراد فاروق»، وتتبعه «الطوافة فوزية».
وفي الساعة الواحدة من ظهر يوم الاثنين 7 يناير 1946م، ركب الضيف الكبير ومن في معيته اليخت الملكي، الذي وصل إلى ميناء السويس في العاشرة وخمس وأربعين دقيقة من صباح يوم الخميس 10 يناير 1946م، وصعد الملك فاروق إلى ظهر اليخت الملكي «المحروسة» لمقابلة العاهل السعودي والترحيب بضيف مصر الكبير.
هذه جزء من حكايات مصر والسعودية التي لا تنتهي، هي قصة قلب من ضفتين، علاقة امتدت لسبعين عاما من التحضر والتعليم والتطبيب والتجارة والدين والسياسة، أرسلتها مصر على أجنحة الحب، فطوتها قلوب السعوديين وعيونهم، لتجيبهم المملكة عند تعب مصر حبا ومساندة ورجولة وسياسة وتحد للغرب البعيد وتآمر الشرق القريب.
كل حروف ترددت في فصول المدارس السعودية ساهم أستاذ مصري في كتابتها، وكل رصاصة أطلقتها مصر في وجوه الأعداء شاركتها فيها شقيقتها السعودية، وكل قطرة دم سكبها طبيب مصري في قلب مريض سعودي، ناظرها قطرات من طاقة تضيء المعامل والمنازل وتدير مياه الحقول في روابي مصر البهية.
في العام 1973م قطعت السعودية «لقمة عيشها» النفطية عن الغرب الذي دعم «إسرائيل»، من أجل خاطر مصر العزيزة، وفي العام 1990م إثر غزو صدام للكويت، استصدرت مصر أهم قرار عربي، أعطى الغطاء السياسي الدولي لمساندة السعودية في جهودها لتحرير الكويت، ووقفت بنبلها ونيلها ورجالها في وجوه كل المتخاذلين والمسوفين والمساومين.
وفي أعقاب ثورة 30/6/2013م المجيدة التي ثار فيها الشعب المصري بمدنه وريفه وحجره وبشره ضد طاغوتية الإخوان، وقفت السعودية مع حليفتها وشقيقتها مصر ضد كل التآمر الغربي، وأرسلت المملكة للعالم سعود الفيصل الذي قال: اغضبوا ما شئتم نحن لن نسمح لكم بإيذاء مصر.
اليوم تنتقل الرياض في أول زيارة رسمية للملك سلمان بن عبدالعزيز للقاهرة، وهو الأمير الملك الذي تجند ذات يوم للدفاع عن مصر ومصيرها وحرمة أراضيها، غداة العدوان الثلاثي على مصر.
لتقول المملكة للعالم: نحن ننظر للمنطقة بعيون مصرية، في الوقت الذي تقول فيه مصر إنها تمد بصرها للعالم هي الأخرى بعيون سعودية أيضا، هي السياسة نعم، لكنها سياسة ضفتي قلب يضج بالمحبة والمعروف، يعيشان على طرفي «مصير» متلاطم، حيث المصير المشترك والمستقبل الأوحد.
فمنذ أن ارتقى الملك عبدالعزيز السفينة المحروسة رفقة الملك فاروق، وحتى صلاة الملك سلمان في الأزهر الشريف يوم غد رفقة الرئيس السيسي، والبلدان قاب قوسين أو أدنى من بعضهما، يختلفان بالتأكيد في السياسة، لكنهما لا يفترقان أبدا مهما داهمتهما الملمات وتكالبت عليهما المؤامرات.