بيت زينل من البيوتات الحجازية العريقة في عوالم السياسة، والتجارة، والعلم والمعرفة، لكن الكثيرين يجهلون تاريخه الوطني وإسهامات رجالاته وجذور العائلة، وتقسيماتها وفروعها المنتشرة في الكويت والبحرين وغرب المملكة وشرقها، وما كان لها من نفوذ مالي واجتماعي وثقافي في الحقبة السابقة للعهد السعودي الزاهر، حتى أن العائلة حصلت على أول سجل تجاري بحسب تصريحات صحافية لوزير التجارة والصناعة السابق عبدالله زينل.
في 1985 أصدر البريطاني «مايكل فيلد» من خلال دار «أوفرلوك بريس» كتابا حول البيوتات التجارية الكبيرة في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي سماه «البيوتات التجارية الكبيرة في السعودية والخليج»
خصص الكاتب فصلا طويلا (الصفحات من 13 إلى 47) للحديث عن بيت زينل بالتفصيل، وأعتقد أنه كتب ما كتبه بموافقة العائلة بل استند في معلوماته على رجالاتها ورموزها الأحياء. وإذا ما أغفلنا بعض الأحداث التي أضفى الكاتب عليها طابعا دراميا نفاه كل من تحدثت إليه من رجال ونساء الفرع البحريني من بيت زينل، فإن هذا المؤلف يعتبر من أفضل ما كتب عن العائلة وتاريخها، بل هو أفضل بكثير من الكتاب الآخر الموسوم بـ «عائلة علي رضا» والذي ألفه «عباس ابن الحاج علي أكبر علي رضا» بالفارسية في البحرين بعد حصوله على موافقة أعمامه وبني عمومته في الحجاز، ثم قام الدكتور عباس رياحي بترجمته في لندن وإصداره من خلال دار ICSA اللندنية في تاريخ غير مدون. كان المفترض أن يكون هذا الكتاب هو الأفضل غير أن ترجمته الركيكة، وخروج المؤلف عن سياق الحديث حول عائلته إلى سياقات أخرى أفسد العمل وجعل معلوماته مشتتة وثقيلة الهضم. ولهذا السبب فإننا سنعتمد فيما يلي على كتاب مايكل فيلد، مع تطعيمه كلما لزم الأمر بمعلومات منتقاة من الكتاب الآخر.

في عام 1969، توفي محمد علي زينل، وكانت وفاته ودفنه في المدينة التي أحبها وعمل فيها وعاش فيها جل سنوات عمره تاجرا ومصلحا ورجل بر وإحسان، ألا وهي بومباي، جوهرة الهند، التي ارتبط فيها بصداقات مع كبار زعمائها السياسيين وفي مقدمتهم زعيم الاستقلال «جواهر لال نهرو» ورفيقه المستنير «مولانا أبو الكلام آزاد» اللذين أصرا أن يكون من ضمن الأجانب القلائل الذين رفعوا علم الهند يوم استقلالها، وذلك اعترافا منهما بدوره في تمتين عرى الصداقة بين الهنود والعرب ومساهماته الإنسانية والاجتماعية والتنموية لخير المجتمع الهندي.
لم تقتصر علاقات «محمد علي زينل» على زعماء الهند فقط، وإنما امتدت لتشمل الشريف حسين ملك الحجاز، ومن بعده الملك عبدالعزيز وأبناءه، والملك فاروق ملك مصر والسودان والرئيس المصري عبدالناصر، والملك فيصل الأول ملك العراق، والملك عبدالله ملك الأردن، والملكين الأفغانيين أمان الله ونادر شاه، وإمبراطور إيران محمد رضا بهلوي، إضافة إلى علاقات ود وتقدير واحترام مع كافة أمراء ومشايخ الخليج وسلاطين جنوب اليمن ابتداء من الجدود إلى الأحفاد.
ولا يجد المرء أي قدر من المبالغة في ما قاله عبدالمجيد شبكشي رئيس تحرير الزميلة «الندوة» عن «محمد علي زينل» في يوم وفاته من أنه «كان أمة في رجل».
في عام 1905، عاد «عبدالله علي رضا» من بومباي إلى جدة ليستقر فيها نهائيا، في هذه الفترة كان أخوه الأكبر زينل قد دخل العقد السابع من عمره وصار لا يملك سوى سمعته كأغنى رجل في الحجاز وأكثرهم احتراما وهي السمعة التي جعلت تجار الحجاز يجمعون على انتخابه رئيسا للغرفة التجارية.
شهدت فترة رئاسة زينل لغرفة تجارة جدة، وعودة أخيه عبدالله من بومباي أحداثا عاصفة. ففيها اندلعت الحرب العالمية الأولى وقامت الثورة العربية ضد الأتراك بقيادة شريف مكة الذي استقل بالحجاز عن الدولة العثمانية ونصب نفسه ملكا على العرب. وحينما استتبت الأمور للشريف حسين في الحجاز كان أول ما فعله هو تعيين «عبدالله علي رضا» في منصب قائمقام جدة (بدلا من الشريف محسن بن منصور الذي تم نقله إلى مكة). والجدير بالذكر أن الملك المؤسس أبقى عبدالله علي رضا في منصبه بعد أن فتح الحجاز في عام 1926، على الرغم من تقديمه استقالته كي يتيح لجلالته تعيين من يشاء من رجاله.
وطبقا للبريطاني مايكل فيلد، فإن آل علي رضا يصفون تلك الفترة بالفترة الأكثر حرجا وصعوبة في تاريخ العائلة وتاريخ جدة. إذ وجدوا أنفسهم كغيرهم من رعايا الأشراف يعانون الأمرين من كساد الأعمال وتخبط المسؤولين وشح الخدمات وتزايد الديون جراء تعنت الشريف حسين بن علي، وانصراف الإنجليز عن دعمه، الأمر الذي اضطر معه «عبدالله علي رضا» إلى دعوة 140 وجيها من وجهاء جدة وأعيانها الكبار إلى اجتماع من أجل الموافقة على توجيه دعوة جماعية للشريف حسين للتخلي عن عرش الحجاز لصالح ابنه المفضل علي. وهكذا استجاب وجهاء جدة للعرض المقدم من «عبدالله علي رضا» وبدوره وافق الشريف حسين على طلبهم وغادر جدة في عام 1924 وتولى ابنه مقاليد السلطة في الحجاز.
في هذه الأثناء كان رجال الملك عبدالعزيز يقفون على أبواب جدة لاقتحامها بعدما نجحوا في فتح الطائف. وعلى الرغم من قدرته على حسم الأمور بسهولة لصالحه بسبب انهيار معنويات جيش الأشراف ورغبة سكان جدة في التخلص سريعا من معاناتهم، فإن الملك عبدالعزيز لم يشأ أن يتسبب لهم في المزيد من المعاناة فأجل مرارا اقتحام المدينة.
هنا عاد «عبدالله علي رضا» ليلعب دورا محوريا آخر، بصفته قائمقام جدة. حيث سعى للتوسط والصلح بين الهاشميين والسعوديين، وهو الصلح الذي أفضى إلى تسلم الملك عبدالعزيز لمفتاح جدة ودخول قواته إليها سلما.
لم ينس الملك عبدالعزيز وأبناؤه من بعده ما قام به رجالات «بيت زينل» لصالح استتباب الحكم السعودي في الحجاز. فنرى الملك المؤسس يأمر وزير ماليته «عبدالله السليمان الحمدان» بالاستجابة لطلب من «محمد علي زينل» باستحداث ضريبة جديدة بمقدار قرش واحد (قرش الفلاح) وفرضها على كل بالة أو برميل يصل إلى ميناء جدة لصالح مدارس الفلاح، لكي تستمر هذه المدارس في أداء دورها التنويري والتثقيفي. ثم نراه يكرم «عبدالله علي رضا» بإبقائه حاكما إداريا لمدينة جدة مدى الحياة، فبقي في منصبه خلال ثلاثة عهود مختلفة، ونراه يكرمه مجددا بإهدائه عقالا مذهبا من عقال الأمراء.
وفي هذا السياق يقول ابنه الشيخ «محمد عبدالله علي رضا» الوزير والسفير الأسبق: «كان والدي يوما في مجلس الملك عبدالعزيز فأهداه جلالته عقالا مقصبا، فكان بعدها يرتدي العباءة ويضع هذا العقال المقصب كلما ذهب للقاء جلالته، فيما يرتدي في غيرها من المناسبات الجبة والعمامة الحجازية المذهبة».
والمعروف أن الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه كان يؤثر الحاج عبدالله علي رضا بمودته وإكرامه، وآية ذلك أنه حينما مرض الحاج في الطائف في عام 1931 كان الملك يزوره باستمرار للاطمئان على صحته في مسكنه بمنطقة «المثنى»، وحينما توفي في العام نفسه كان الملك المؤسس في مقدمة من حضروا شخصيا للصلاة عليه ودفنه في مقبرة ابن العباس.