من أهم القرارات التي اتخذها خادم الحرمين الشريفين هو التوجه الصحيح نحو تنويع أسس الاقتصاد الوطني من حيث وارداته اعتمادا على تنويع الهيكل الاقتصادي عوضا عن الاعتماد على البترول والغاز كمصدر أساسي لواردات الدولة والتحول تدريجيا إلى قطاع الصناعة والخدمات ليساهما مساهمة فاعلة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي. وهو توجه صحيح رغم أنه كان مخططا له منذ سنوات طويلة إلا أنه لم يحقق النتائج المرجوة منه كما هو متوقع. ولن أتعرض اليوم لقطاع الخدمات ودوره في زيادة الناتج المحلي، وإنما سأركز على أهمية قطاع الصناعة وأخص على وجه التحديد قطاع صناعة السيارات أو تجميع مكونات السيارات.
وحسب المعطيات المعلوماتية المتوفرة لدينا حسب آخر الإحصائيات عن عدد السيارات المسجلة رسميا بالسوق السعودية عام 2015م وصل العدد إلى حوالي 17 مليون سيارة وهو رقم عال جدا مقارنة ببقية دول العالم النامي والصناعي نسبة وتناسبا لعدد السكان. ومن أسباب ارتفاع عدد السيارات هو ارتفاع نسبة الشباب الذين يمثلون حوالي 21% من نسبة إجمالي السكان بالإضافة إلى تعدد السيارات للشخص أو العائلة في طبقة الأغنياء وبعض الطبقات المتوسطة حيث تشير الإحصائيات إلى أن المملكة استوردت 724 ألف سيارة عام 2015م بقيمة 58 مليار ريال. ويسيطر على سوق السيارات في المملكة ثلاث دول في العالم الأولى كوريا الجنوبية من حيث العدد والولايات المتحدة ثم اليابان حيث تم استيراد حوالي 201 ألف سيارة من كوريا الجنوبية ثم تأتي الولايات المتحدة الأمريكية حيث تم استيراد حوالي 127 ألف سيارة ثم اليابان 110 آلاف سيارة.
وتستورد دول الخليج سنويا بحوالي مائة مليار ريال سيارات من الدول المصنعة للسيارات وتعتبر دول الخليج من أكبر دول العالم يتم فيها سرعة دوران شراء وبيع السيارات حيث تتجة الطبقة الغنية إلى تغيير سياراتها سنويا ثم تليها الطبقات الوسطى المرتفعة كل عامين والوسطى كل ثلاثة أعوام. ويعتبر سوق المملكة العربية السعودية الأكبر استيرادا للسيارات حيث ينمو الطلب فيه بزيادة تصل إلى حوالي 10% ويعود الفضل في زيادة استيراد السيارات إلى قدرة الوكلاء على تسويقها عبر وسائل التقسيط المريح والمنافس دوليا. وبناء على تجربة المملكة الناجحة في صناعة بعض مكونات السيارات من خلال 251 مصنعا تعمل في مجال تصنيع بعض السيارات مثل الإطارات والعوادم والبطاريات وعلب التروس وتجميع الحافلات ومركبات الحرائق والإسعاف ومركبات التنظيف الهيدروليكية وصناعة قطع الغيار. ويصل إجمالي المستثمر فيها حوالي 7 مليارات ريال وتستقطب حوالي 27 ألف عامل. ومن أهم مصانع السيارات وأولها مصنع شركة لاندروفر لصناعة السيارات والذي يعمل بطاقة 4500 موظف وتصل تكلفته إلى 4.5 مليار دولار ومخطط له أن يبدأ إنتاجه في عام 2017 وسيعمل على إنتاج 50 ألف سيارة سنويا تسوق محليا ودوليا وعلى وجه الخصوص للدول المجاورة.
إن توفر البنية التحتية في المدن الاقتصادية والصناعية وتوفر الموانئ الحديثة والمطورة وتوفر وسائط النقل وتوفر التمويل ولقرب السوق السعودية للقارة الإفريقية والأوروبية ودول الجوار يجعل من الاستثمار في صناعة السيارات في المملكة جدوى اقتصادية تسهم في تحقيق أهداف هيئة توليد الوظائف ومكافحة البطالة وتسهم في تحقيق التوجه المستقبلي لاقتصاد المملكة وتنويع مصادر دخله وتعمل على المحافظة على العملة الصعبة.
وبمراجعة أرقام السيارات وقطع الغيار التي تم إعادة تصديرها من المملكة في عام 2012م تصل إلى 6 مليارات دولار وبمعدل نمو مقداره 13% مما يؤكد قدرة موانئ المملكة على التصدير ويؤكد أهمية سوق المملكة للتصدير للأسواق المجاورة في أفريقيا ودول آسيا وحتى أوروبا. وهذا يدفعني إلى توجيه السؤال إلى الوكلاء الذين استفادوا من سوق المملكة خلال الخمسين عاما الماضية كمستوردين ومسوقين فيه واستفادوا من التسهيلات البنكية وبنوا امبراطوريات تجارية، ألم يأت الوقت إلى الضغط على موكليهم من مصنعي السيارات للتصنيع أو التجميع في المملكة لنساهم جميعا في بناء اقتصاد متنوع المداخيل؟ ونساهم في معالجة البطالة وتأهيل الشباب السعودي للعمل؟ أليس الأجدى بناء صناعة أو تجميع السيارات عوضا عن بناء أكبر مخازن لمصنعي السيارات في المملكة وفي المدن الاقتصادية؟