البنت في بيت أسرتها.. زهرة يانعة، تنشر عبيرها في جميع الزوايا والأركان.. هي حب ينبع من داخل القلب ويعيش في العمق، لينعكس شذا تطيب به النفوس وترتوي به.. البنت داخل البيت.. عشق يكبر مع الزمن، وتمتد جذوره مع امتداد الأيام حتى يصبح صرحاً من المشاعر الفياضة العارمة.
يعتقد البعض أن الآباء يحبون بناتهم أكثر مما تحبهن الأمهات، كما يعتقد ذلك البعض أن الأم بعكس الأب تميل إلى الابن أكثر من ميلها إلى البنت، وأقول إن الأسرة السوية هي الأسرة التي تتقاسم فيها الفئات المختلفة كل المشاعر الطيبة، فلا تفضيل لبنت على ولد أو ولد على بنت.. الأسرة السوية تعطي من الحب قدراً متساوياً لكل أبنائها وبناتها بغض النظر عن أية عوامل أخرى، لذلك يفيض الحب والعدل في هذا النوع من الأسر بشكل يملأ حياة الفرد فيها أمناً واستقراراً ونجاحاً.
هذا يعني أنني عندما أتحدث عن حب البنات بالذات لا أعني أنهن يحظين بحب أكبر أو أنهن يفضلن الأولاد، إنما أنظر إلى الطبيعة الأنثوية التي تفرض حباً مختلفاً وتعاملاً متفرداً، فالبنت هي مجموعة مشاعر حانية.. يلمس أريجها المحيطون بها، هي مخلوقة رقيقة يرى فيها الأب ذلك الجانب الحنون فيعطف عليها ويود لو يستطيع أن يطوقها بجناحيه العمر كله فلا تغادر بيته ولا تحتاج سواه، هو يفرح بها تنمو وتزهر بين يديه، لكنه يغص كلما تذكر أنها إنما ترسم خطواتها نحو المستقبل الذي يأخذها بعيداً عنه، فالبنت عادة تتزوج في سن مبكرة عن الولد.. حتى مع الظروف التي تغيرت حولنا كثيراً إلا أنها مازالت تغادر بشكل أسرع.. الأم ترى في ابنتها.. حلماً رائعاً يفترش قلبها وعقلها معاً.. يسعدها أن ترى فيها كثيراً من نفسها، تشاركها الفكر والرؤى والأحلام، تفتح لها صدرها لتستمع إليها.. تحاورها وتوجهها، فلا أحد غيرها يستطيع أن يفهمها.. لكنها كالأب.. تخشى اللحظة ذاتها.. اللحظة التي تغادر فيها البنت هذا البيت إلى حيث أسرتها الجديدة ومستقبلها الواعد.. لذا يشعر الآباء والأمهات بصدق ما قاله الأولون من أن البنت ضيفة في بيت أبيها، عاجلاً ما تغار إلى بيتها الآخر..
البنت في الوقت نفسه، واستناداً إلى طبيعتها، تظل عواطفها مرتبطة بأهلها مهما بعدت.. يظل بيت أبيها هو حبها الأول.. يبكيها فراقه ويؤلمها بعدها عن أحبتها فيه، فما تغيرها الأيام ولا يُبدل بحبها حب.. فإذا كان هذا هو الحال، فما بالنا نرى من حولنا كل هذه المآسي التي تروي قصصا مبكية مليئة بالعنف والوحشية!! لقد سبق وكتبت كما كتب غيري عن فتاة الطائف «رهف» التي عذبتها زوجة أبيها، وظلت القصص بعدها تتوالى حتى وصلنا لقصة «غصون مكة» التي ملأت نفوسنا حزناً وكمداً، وها هي قصص أخرى تنشر تفاصيلها الصحف يوماً بعد يوم فما الذي يجري؟؟ أسمع في هذه الأيام أيضاً الكثير من القصص من داخل مدارس البنات عن فتيات يلقين من أسرهن أشد صور القسوة والإهمال، فمن أم قاسية لا ترحم في ظل أب مهمل متخاذل، إلى أب جبار قاس مع أم مغلوبة على أمرها لا تقوى على الوقوف في وجهه، هذا غير بعض زوجات الآباء اللاتي يعتدين ويبطشن ويتجبرن برفقة آباء مشاركين في القسوة أو «لاهين» عنها أو غير عابئين بها، والنتيجة في جميع الأحوال معاناة تصل إلى حد الموت لفتيات بريئات لا حول لهن ولا قوة.
لاحظوا أن معظم هذه القصص التي قرأنا وسمعنا عنها إن لم يكن كلها هي لفتيات في أعمار مختلفة، فهل يثير مجرد وجود البنت في البيت شهوة العنف في نفوس الرجال والنساء على السواء!! أين خوف الله وأين الضمائر وأين الوعي؟ أتصور أن كل هذه الحالات لا تقع إلا داخل بيوت مشوهة تضم أفراداً غير أسوياء كانت تربيتهم أصلاً قاصرة، لكنني أعجب كيف يحدث أن يكون الرجال والنساء في الوقت نفسه وفي البيت الواحد غير أسوياء!! هل يعني ذلك أن هناك عوامل أخرى يعود إليها كل هذا الذي يحدث؟! ربما.. فدلونا إذن يا أساتذة علم النفس على طريق الحل، ولنتدارس الأمر جميعنا كل حسب دوره علّنا نستطيع الإصلاح.
فاكس 6401574 ص.ب 30550 جدة 21487
أخبار ذات صلة